الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
60 - رقم الاستشارة : 5851
13/09/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أستاذ جامعي وداعية أقدم برامج تربوية وفكرية لطلاب المرحلة الجامعية. التقي بشكل مستمر ببعض الشباب والفتيات الذين يمرون بـ (أزمات إيمانية) وانحرافات فكرية نحو اللادينية والربوبية أو الإلحاد الشكي.
ألاحظ أن معظم الشبهات التي تدور في أذهانهم ليست وليدة أفكار عميقة، بل هي نتاج التأثر بالمركزية العلمية، أو التشتت الوجودي الناجم عن مشكلة الشر والمآسي الإنسانية، أو الانبهار بالنموذج المادي الغربي. يعتقد بعضهم أن العلم التجريبي هو المصدر الوحيد للمعرفية، وأن الإيمان بالغيبيات يتعارض مع العقل الحاد. وعندما يحاول بعض الدعاة إجابتهم بنصوص نقليّة مجردة دون تفكيك المنطق السائد لديهم، يزيد ذلك من عنادهم وتشبههم بموقفهم.
كيف أستطيع كداعية ومربّ أن أبني خطبة وحوارًا فكريًّا مع هذه الفئة الخاصة من المدعوين؟ وما هي القواعد العقليّة والتربوية التي أستخدمها لإعادة بناء "أصول الاستدلال" لديهم وترسيخ وجود الله وكمال حكمته في قلوبهم بأسلوب منطقي وجذاب؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الفاضل، وأعظم الله أجركم على تصديكم لهذه
الجبهة الفكرية الشائكة لحماية عقول الشباب.
إن التعامل مع
شريحة المتأثرين باللادينية والشبهات الوجودية يتطلب أدوات مختلفة عن الخطاب
الوعظي السائد؛ لأن المشكلة لدى هذه الفئة لا تكمن غالبًا في الفروع، بل في
"أدوات التلقي ومصادر المعرفة".
ولتقديم
خطاب دعوي يملك قوة الإقناع وشفاء الصدور، نعتمد المنهجية التالية:
أولاً: الاحتكام
إلى البديهيات العقلية وبراهين الفطرة:
الخطوة الأولى في
محاورة اللاديني هي النزول معه إلى "الأصول العقلية المشتركة" قبل
الاستدلال بالنص النظري. استعمل القانون العقلي الخالد الذي أبرزه القرآن الكريم
في سورة الطور: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾
[الطور: 35]. هذه الآية العظيمة تختصر الاحتمالات العقلية لنشأة الكون والحياة في
ثلاثة لا رابع لها: إما أن المادة وجدت نفسها من العدم (وهو محال عقلاً)، أو أن
الشيء خلق نفسه (وهو تناقض منطقي)، فلم يبقَ إلا الخيار العقلي الوحيد: أن لها
خالقًا علامًا قديرًا متصفًا بالكمال. انطلق معهم من قانون السببية، والضبط الدقيق
للقوانين الكونية والدلالة الباهرة للتشفير الجيني في الـ DNA الذي يستحيل صدوره عن العشوائية والعمى المادي.
ثانيًا: تفكيك
"المغلطة العلموية" وتوضيح حدود العلم التجريبي:
بيّن للشباب
الفرق الجوهري بين "العلم التجريبي النافع" وبين "الفلسفة العلموية
المادية"؛ فالعلم التجريبي أداة لرصد المادة وتفسير كيفية عملها، لكنه يقف
عاجزًا وأعمى أمام الأسئلة الكبرى: (من أين جئنا؟ لماذا نحن هنا؟ وإلى أين نصير؟)،
كما أنه لا يستطيع إثبات القيم الأخلاقية، ولا بديهيات الرياضيات، ولا جماليات
الشعور. أوضح لهم أن العقل والخبر الصادق والفطرة هي مصادر معرفية أساسية تؤازر
العلم ولا تصادمه، وأن الإيمان بالخالق هو الصرح الوحيد الذي يمنح العلم التجريبي
نفسه شرعيته وقابليته للفهم والتفسير.
ثالثًا: معالجة
الجذور النفسية والوجودية (مسألة الشر والحكمة):
من الضروري أن
تدرك كداعية أن كثيرًا من حالات الشك لا ترجع لسبب عقلاني محض، بل تكمن خلفها أزمة
نفسية أو موقفية تعود لمشاهدة الألم أو الصدمات؛ فتنشأ عندهم (مشكلة الشر). علّمهم
أن الشر والآلام في هذا العالم ليست دليل غياب الله، بل هي من مستلزمات طبيعة
الدار الدنيا باعتبارها "دار ابتلاء واختبار" لا "دار جزاء
وخلود". استدل بالحديث الذي رواه مسلم عن النبي ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ
المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ»؛ فوجود الألم يبرز معاني الصبر،
والرحمة، والتسامح، والتضرع، ولا يمكن فهم الشر الجزئي إلا في إطار "الحكمة
الإلهية الكلية" ومعرفة اليوم الآخر الذي تُرد فيه المظالم وتُوفى فيه النفوس
أجورها.
وأنصحك
ختامًا بالآتي:
• التواضع والرفق
في الحوار: تجنب السخرية من تساؤلاتهم أو الاستهانة بالقلق النفسي الذي ربما يقعون
فيه؛ فالشباب يحتاجون إلى مشاعر وعاطفة تحتويهم وتزيل غمة الحيرة عنهم.
• الاستماع الذكي
وإدراك الباعث: دع السائل يفرغ ما في صدره بالكامل، وافهم الباعث الحقيقي وراء
شبهته؛ هل هو رغبة في التحرر الأخلاقي، أم حزن من جراء صدمة، أم بحث صادق عن
الحقيقة؟
• الربط بجمال
القرآن ولطف الله: أسمعهم القرآن بتدبر، ونبههم إلى أن الفطرة السليمة تجد سكينتها
وريها في كلام الباري سبحانه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
وأسأل الله
العظيم أن يجري الحق على لسانك وقلمك، وأن يجعل هداية هؤلاء الشباب على يديك، وأن
يعصم شبابنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.
روابط ذات صلة:
مهارات الحوار الدعوي مع "اللادينيين" والملحدين العرب