الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 5444
31/07/2026
أنا موظف في الثالثة والأربعين من عمري، وأب لثلاثة أبناء. نشأتُ في بيت يحرص على الأخلاق، وتربيتُ على الحياء، ومراعاة مشاعر الناس، وإعانة الملهوف، وكف الأذى، لكنني اليوم أجد نفسي في صراع نفسي شديد يزداد كلما تقدمت بي السن وكبُرت مسؤولياتي.
مشكلتي أني أجد صعوبة شديدة في رفض طلبات الآخرين، وقول كلمة «لا» بوضوح، حتى عندما تكون تلك الطلبات غير مناسبة لي، أو تأتي على حساب بيتي وأولادي، أو تتجاوز طاقتي المالية والنفسية.
ففي محيط الأقارب يقترضون مني أموالًا أعلم بسابق تجربتي معهم أنهم لن يُعيدوها، ولا أستطيع الرفض خجلًا. وفي بيئة العمل والمعارف يكلِّفني أصدقاء أو زملاء بمهام وأعمال وخدمات، فيضيع وقتي وجهدي.
أشعر بمرارة من هذا الاستنزاف، حتى إن زوجتي أصبحت ترى في مسلكي هذا ضعف شخصية، وليس حُسن خلق، وترى أنني أقدم رضا الناس ومجاملتهم على استقرار بيتي وراحته.
فهل ما أعيشه يُعدّ من الحياء المحمود شرعًا أم يعد ضعفا؟
وكيف أربي نفسي في هذه السن على امتلاك القوة والحزم، وقول «لا» دون أن أقع في قطيعة الرحم أو جرح المشاعر؟
وبارك الله فيكم.
مرحبًا
بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك لك في
عمرك، وأن يحفظ لك زوجك وأبناءك، وأن يسبغ عليك وافر الصحة والعافية، وأن يمن عليك
بالحكمة والسداد، وبعد...
فإن
ما تمر به من صراع نفسي -أخي الكريم- هو مرحلة مفصلية يعيشها كثير من أصحاب النفوس
الطيبة والقلوب النبيلة، ممن نشأوا على حب الخير ومراعاة مشاعر الآخرين، ومن
الطبيعي أن يدفعك هذا إلى إعادة تقييم سلوكياتك، لتوازن بين التضحية لتلبية رغبات
الآخرين، وبين أداء الأمانات الموكلة إليك تجاه نفسك وأسرتك.
الفرق
بين الحياء المحمود والخجل المذموم
إن
الحياء الشرعي المحمود هو خلق يبعث على فعل الأمور الحسنة وترك القبيحة، وهو
قوة إيمانية تحجز صاحبها عن الحرام، وترغِّبه في المعالي، ولا تتسبب في إهدار
الحقوق ولا الأذى. قال رسول الله ﷺ: «الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ»
[متفق عليه].
أما
الخجل المذموم فهو شعور بالعجز عن المطالبة بالحق أو قول الحق، وينشأ عن خوف زائد
من ردود أفعال الناس، أو الرغبة المفرطة في نيل رضاهم على حساب الواجبات.
ميزان
الأولويات والمسؤولية الشرعية
لقد
جعل الشارع الحكيم للولايات والمسؤوليات مراتب وأولويات، وأوجب على الرجل رعاية
بيته أولًا قبل أن يتطوع لأداء الخدمات خارج هذا البيت. وقد قال النبي ﷺ: «ابْدَأْ
بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلأَهْلِكَ، فَإِنْ
فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ أَهْلِكَ فَلِذِي قَرابَتِكَ» [رواه مسلم]. وقال ﷺ حازمًا في
بيان الحقوق: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» [رواه أبو
داود].
وقال
ﷺ: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ
عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» [متفق عليه].
فإذا
أدت مجاملتك للناس إلى الإضرار بقوت أبنائك، أو التقصير في إعطاء حقهم من الوقت
والتربية، أو شحن جو البيت بالتوتر مع زوجتك، فإن هذا العطاء يتحول من باب الفضل
إلى باب التفريط في الواجب.
لذا
فإن عتب زوجتك عليك لا ينبع -في الغالب- من قسوة؛ بل من حرصها على استقرار بيتها،
وشعورها بأنك تتنازل عن مقدرات البيت لصالح الآخرين، وهي على حق في ذلك.
كيف
تقول «لا» دون قطيعة؟
1-
تصحيح المفاهيم: اعلم أن قول «لا» ليس رفضًا للشخص الطالب
ذاته، فعندما ترفض إقراض شخص أو الاستجابة لطلب عمل إضافي، فأنت ترفض الطلب
لعدم مناسبته لك، ولا ترفض الشخص ولا تحتقره.
وعليك
أن تدرك أن رضا الناس غاية لا تدرك، فلو استنزفت مالك ووقتك لرضا الناس، لن يرضى
الجميع. وتقديم رضا الله ثم أداء حقوق أسرتك هو الأولى والأوجب.
واعلم
أن صلة الرحم لا تعني الرضا بالاستغلال والاستنزاف؛ بل تكون بالزيارة،
وبالسؤال، وبالكلمة الطيبة، وعيادة المريض، ومشاركتهم الأفراح والأحزان، والإكرام
بالهدايا الرمزية في المناسبات، أما إقراض المال فهو نافلة وفضل، وإذا كان يتسبب
في إضرار ببيتك أو قطيعة عند العجز عن السداد، فالامتناع عنه أولى وأحفظ للرحم.
2-
اطلب مهلة للرد: لا تعطِ إجابة فورية لأي طلب إقراض أو
خدمة إضافية، وقل للطالب: «دعني أراجع التزاماتي المالية (أو وقتي) وأرد عليك
قريبًا». فهذا التأجيل يكسر حرج المواجهة المباشرة، ويمنحك وقتًا لتقييم الطلب
بهدوء واتخاذ قرار، بعيدًا عن ضغط الموقف.
3-
الرفض المغلَّف: إن تغليف الرفض باللطف والاحترام والقول
الحسن، يزيل مرارة الرفض عند الطالب، ولا يقطع الرحم. قل مثلًا لمن يطلب قرضًا:
«يعلم الله قدرك ومحبتك في قلبي، وودي لو استطعت مساعدتك، لكن لدي التزامات مالية
وأسرية جارية لا تمكنني من ذلك حاليًا، أسال الله أن يفرِّج همك ويكفيك بحلاله».
وفي بيئة العمل: «أقدر ثقتك بي في هذا العمل، لكن لدي مهام أساسية مكلَّف بها
تستهلك كل وقتي ولا أستطيع التقصير فيها، أعتذر منك بشدة».
ولا
تعطِ تبريرات كثيرة، فإن كثرة التبريرات تعطي الطرف الطالب فرصة للتفنيد والتفاوض
والجدال، فكن واضحًا ومختصرًا.
يُحكى
أن رجلًا قصد آخر ليطلب قرضًا، فاعتذر له الرجل بكلمات طيبة ودعا له، فقال الطالب:
«إن لم تصلني بمالك، فقد وصلتني بجميل اعتذارك!»؛ فالرفض اللبق يترك أثرًا طيبًا
في النفس ولا يفسد الود عند الأسوياء من الناس.
4-
اكسب زوجتك: اجلس معها جلسة مصارحة، واشكر لها حرصها على
البيت، وقل لها: «أنا أقدر خوفك على استقرار بيتنا، وأسعى لتغيير هذا السلوك،
وسنضع معًا ميزانية محددة للبيت لا نتجاوزها لأي سبب خارج حدود الأسرة». هذا
ينقلها من موقف الناقد إلى موقف الداعم.
وختامًا
أخي الكريم، لا تتخلَّ عن أصل إحسانك، ولكن زِنه بميزان الحكمة والحزم. فالقوة في
الحق لا تنافي نبل الأخلاق، بل تمكِّنك من أداء رسالتك كأب ورجل مسؤول بكل كفاءة
واقتدار.
أسأل
الله أن يملأ قلبك سكينة ويقينًا، وأن يمنحك القوة والحكمة والسداد في القول، وأن
يبارك لك في زوجك وأبنائك ويجعلهم قرة عين لك، وأن يوسع عليك في رزقك، ويكفيك
بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم.
روابط
ذات صلة: