الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
340 - رقم الاستشارة : 3743
03/01/2026
أنا سيدة 34 سنة متزوجة ولدي أطفال، وحياتي مستقرة وجيدة لحد كبير والحمد لله.
رغم أن الشائع أن البنت تكون قريبة لأمها أكثر، لكن أنا كنت مرتبطة بوالدي رحمه الله جدا، فقد كنت أشبهه إلى حد كبير شكلا وطباعا، وأحبه جدا، وأتواصل معه دائما حتى بعد زواجي، وكان رحمه الله لا يبخل علي بنصح ولا مال ولا شيء. وكذلك مع كل إخوتي، لكني كنت أكثرهم ارتباطا به.
توفي والدي منذ ما يقرب من عام، لكني حتى الآن لا أستطيع تجاوز أزمة فقده، وأشعر بفراغ كبير من بعده لا يملؤه أم ولا أخ ولا أخت ولا زوج ولا ابن ولا صديقة.
كثيرا ما أبكي وحدي عندما أتذكر ما كان يفعله معي ويقوله لي ومواقفه معي ومع أولادي، وهو حاضر في عقلي وقلبي دائما، ومرارة فراقه لا تتركني، وتنغض علي حياتي، وتمنع تركيزي في شؤوني وشؤون زوجي وأولادي، وقد لاحظوا ذلك وبدؤوا بالشكوى على استحياء وزوجي لا يكف عن نصحي بمحاولة النسيان والتجاوز، وأن الموت هو سنة الحياة، كثيرا برفق، وأحيانا بغضب وقسوة.
أريد فعلا أن أتجاوز وأنسى أو على الأقل أكتفي حين تذكره بالدعاء له بالرحمة دون الشعور بهذه المشاعر المؤلمة، لكني لم أستطع حتى الآن.
ماذا أفعل للخروج من هذه الحالة، لأستأنف حياتي بشكل طبيعي، ولا أقصر في واجباتي تجاه بيتي وزوجي وأولادي؟
مرحبًا بك أختي الفاضلة، وأسأل الله العلي القدير أن يربط على قلبك
برباط الصبر والسكينة، وأن يغفر لوالدك ويرحمه، ويسكنه فسيح جناته، وأن يجمعك به
في مستقر رحمته، وبارك الله لك في زوجك وذريتك وجعلهم قرة عين لك في الدنيا
والآخرة، وبعد...
فإن الفقد يا أختي جرح غائر لا يندمل بسهولة، خصوصًا إذا كان المفقود
هو الأب؛ ذلك السند والعماد ورمز الأمان. وما تشعرين به من لوعة وحنين هو دليل على
نبل معدنك ووفائك لوالد أحسن تربيتك وغمرك بحبه.
ولكن، حين يتجاوز الحزن حده ليصبح معول هدم لحياتك الحالية، وجدارًا
يحجب عنك رؤية نعم الله من زوج وأطفال، هنا نحتاج لوقفة مع النفس، لنحول هذا
«الحزن السلبي» إلى «برٍّ إيجابي» ينفع الراحل ويحفظ الحي.
لقد وصفتِ علاقتك بوالدك -رحمه الله- بصفات تذكرنا بعلاقة النبي ﷺ
بابنته فاطمة رضي الله عنها، فقد كانت أشبه الناس به في مشيتها وحديثها، وكان إذا
رآها قام إليها وقبَّلها وأجلسها في مكانه. فهذا النوع من الارتباط الفطري
والتشابه في الطباع يجعل الفراق يبدو وكأنه انتزاع لقطعة من الروح.
وقد قال الله -عز وجل- في كتابه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
[الإسراء: 23]. والإحسان للوالدين لا ينقطع بموتهما، بل يبدأ فصل جديد منه أكثر
إلحاحًا وأعظم أثرًا.
الجَزَع يحرمك من الأجر
إن الموت ليس فَناءً أبديًّا؛ بل هو انتقال من دار الفناء إلى دار
البقاء، وهو الحق الذي لا مفر منه. يقول الله تعالى: ﴿كلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ
الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:
185].
وإن بقاءك في حالة الحزن المستمر لمدة عام كامل بشكل يؤثر على
واجباتك، قد يدخل في دائرة «الجزع» غير المحمود الذي يحرمك أجر الصابرين. انظري
إلى قصة الصحابية الجليلة أم سليم -رضي الله عنها- حين مات ولدها فصبرت واحتسبت؛
بل وهيأت لزوجها حالًا مريحًا قبل أن تخبره الخبر، لتعطينا درسًا في أن الحياة يجب
أن تستمر بمراد الله، لا بمرادنا نحن.
تحويل المشاعر إلى عمل
إن البكاء والحزن ليس عليهما أجر يصل إلى والدك؛ بل قد يؤذيه شعوره
بأن ابنته الحبيبة تتعذب بفقده. ما يحتاجه والدك الآن ليس دموعك، بل دعواتك
وصدقاتك.
يقول النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ
إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ
بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [رواه مسلم].
فأنتِ الآن «الوَلَد الصالح» (بنت أو ابن) الذي هو امتداد لعمله في
الدنيا. فكلما استغفرتِ له، رُفعت درجته في الجنة. فقد ورد في الحديث: «إِنَّ
اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي
الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ
وَلَدِك لَك» [رواه أحمد].
حقوق الزوج .. وأبناؤك أمانة
أختي الكريمة، إن انشغالك المفرط بالحزن جعل زوجك وأبناءك يشعرون
بتقصيرك، وهذا مدخل من مداخل الشيطان ليفسد عليك بيتك المستقر.
إن زوجك هو شريك حياتك، وصبره طوال عام دليل حبه، وغضبه أحيانًا ليس
قسوة؛ بل هو تعبير عن حاجته لك، وخوفه عليك من الانغماس في الاكتئاب. تذكري أن حق
الزوج عظيم، وضياع حقوقه بسبب الحزن على ميِّت -مهما كان- لا يرضاه الله.
أما أطفالك، فهم يحتاجون للأم التي استمدت من والدها الأخلاق والطباع الجميلة لتنقلها
لهم. حين يرونك باكية دائمًا، يزرع ذلك في نفوسهم القلق والارتباك.
خطوات عملية للخروج من هذه الأزمة
1- صدقة جارية باسم والدك: بدلًا من البكاء الذي يستهلك طاقتك، خصصي
مبلغًا بسيطًا شهريًا كصدقة جارية باسم والدك، أو ساهمي في وقف خيري، فهذا يجعلك
تشعرين بأنك ما زلتِ تتواصلين معه ولكن بشكل ينفعه.
2- أفرغي مشاعرك بالكتابة: كلما اشتقتِ إليه، اكتبي له رسالة تخبرينه فيها
عما حققته في بيتك، وكيف أنك تربين أطفالك على ما علَّمك إياه، ثم اختميها بدعاء
طويل. هذا يفرغ الشحنة العاطفية داخلك.
3- تغيير دافع التذكُّر: حين تتذكرين مواقفه معك، ابتسمي قائلة: «الحمد لله
الذي رزقني أبًا حنونًا جعل حياتي جميلة»، بدلًا من قول: «لماذا رحل وتركني؟».
استبدلي بـ«مرارة الفقد» «امتنان الوجود».
4- دوام الذكر: داومي على الذِّكر والاستغفار، وقول: «إنا لله وإنا إليه
راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها».
5- تصالحي مع زوجك: اجلسي مع زوجك، اعتذري له عن تقصيرك، واطلبي منه أن يعينك
بالدعاء معك لوالدك بدلًا من لومك، فهذا يشعره بأنه شريك في همك وليس مستبعدًا
منه.
6- املئي وقت الفراغ: إن الفراغ -يا أختي- هو البيئة الخصبة التي تنمو
فيها الأحزان وتتضخم، والشيطان يترصد للمحزون ليفتح عليه أبواب الوساوس. لذا،
أوجدي لنفسك أنشطة تشغل وقتك وعقلك؛ سواء كان ذلك في تطوير مهاراتك في إدارة بيتكِ
بلمسات جمالية تجددين بها روح المكان، أو ممارسة هواية نافعة، أو الانخراط في
الأعمال التطوعية؛ فمد يد العون للأيتام أو المساكين بنية الصدقة عن والدك سيمنحك
شعورًا بالرضا النفسي العميق، ويحول طاقة الحزن الخامدة إلى طاقة عطاء متجددة.
تذكري قول النبي ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ
لِلنَّاسِ» [رواه الطبراني]. فحين تخرجين من سجن أحزانكِ لخدمة الآخرين، ستجدين أن
الله قد شرح صدرك وبارك لك في وقتكِ، وأعدت لبيتك حيويته التي افتقدها.
وختامًا أختي الفاضلة، إن الوفاء الحقيقي لوالدك ليس في تحويل بيتك
إلى مأتم دائم، بل في أن تكوني الابنة التي تمنى هو أن يراها. كوني النسخة الحية
من والدك في كرمه، ونبله، وحسن خلقه مع أهلك. والدك الآن في دار الحق، ولو نطق
لقال لك: «يا ابنتي، أسعديني بصلاح حالك وبرك ببيتك، فأنا بخير بفضل الله ثم بدعائك».
أسأل الله أن يمسح على قلبك ببرد الطمأنينة، وأن يجعل ذكرى والدك
عونًا لك على الطاعة؛ لا قاطعًا لك عنها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
روابط ات صلة: