احتدَّ على أمه فقاطعته ورفضت الوساطة.. كيف يرضيها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : إيمانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 15
  • رقم الاستشارة : 5515
05/08/2026

السلام عليكم ورحمة الله، السادة أصحاب الفضيلة الكرام،

أنا شاب متزوج، وأنا ابن أكبر لوالدتي التي أحبها وأسعى دائمًا لبرها. ترك لنا الوالد -رحمه الله- بعض الأملاك (شقة ومحلًا تجاريًا)، ومؤخرًا علمت مصادفة أن والدتي قامت بتأجير المحل لأحد المعارف بمبلغ زهيد جدًا وبعقد طويل الأمد، كل هذا دون الرجوع إليّ أو لإخوتي ومشاورتنا. فاتصلت بها هاتفيًا لأستفسر عن الأمر وأعاتبها على اتخاذ قرار كهذا بمفردها، ومع الأسف الشديد تطور النقاش بيننا وفقدت أعصابي واحتددت عليها في الكلام ورفعت صوتي، بسبب ردودها التي استفزتني وأنهيت المكالمة وأنا غاضب جدًّا.

بعد وقت قصير أدركت خطئي، وحاولت الاتصال بها للاعتذار؛ لكنها لم ترد عليَّ، ولما اتصلت من هاتف غير هاتفي وسمعت صوتي أغلقت الخط في وجهي.

مر أكثر من ثلاثة أسابيع وهي تقاطعني تمامًا؛ لا ترد على اتصالاتي، ولا تقرأ رسائلي، وإذا قرأتها لا ترد عليها. وأخشى إن ذهبت إليها ألا تستقبلني وتحرجني. حاولت إدخال بعض الأقارب كوسطاء للصلح، لكنها رفضت تدخّلهم بشدة وقالت إنها غاضبة عليَّ ولن تسامحني أبدًا.

أنا الآن في كرب شديد، وأبكي ندمًا على ما بدر مني. أشعر بضيق في صدري وخائف جدًا من غضب الله وعقابه، فماذا أفعل لإرضائها وإقناعها بمسامحتي بعد أن سدَّت كل الطرق في وجهي؟

وجزاكم الله كل خير.

الإجابة 05/08/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيها الابن الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يفرِّج كربك، وأن يشرح صدرك، وأن يليِّن قلب والدتك الكريمة عليك، وأن يجمع شملكما على المحبة والبر والرضا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وبعد...

 

فإن ما تشعر به اليوم يا ولدي من ندم وألم، وما تذرفه من دموع الخوف من غضب الله تعالى، لهو أمارة خير وعلامة ظاهرة على حياة قلبك، فالحمد لله الذي جعل في قلبك هذه الإنابة، واعلم أن هذا الندم هو الخطوة الأولى والأساسية في طريق إصلاح ما بينك وبين ربك، وما بينك وبين أمك.

 

مكانة الأم وحرمة رفع الصوت عليها

 

لا يخفى عليك يا ولدي أن الشريعة الإسلامية رفعت قدر الوالدين إلى مكانة لم تبلغها أي رابطة بشرية أخرى، وجعلت برَّهما مقرونًا بتوحيد الله تعالى، فقال عز وجل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23 و24].

 

لاحظ أن الله -عز وجل- قد حرَّم أدنى درجات التضجر وهي كلمة «أُفٍّ»، فكيف بما هو أعلى منها كالانفعال، ورفع الصوت، والمجادلة الحادة؟

 

وجاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ، فقال: مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحابَتي؟ قال: «أُمُّكَ»، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: «ثُمَّ أبوكَ» [متفق عليه].

 

فالأم هي محل البر والإكرام، وهي أحق الناس بحسن الصُّحبة، لكثرة أفضالها على ولدها، وكثرة ما تحملته من المتاعب الجسمية والنفسية أثناء حملها به، ووضعها وإرضاعها له، وخدمتها وشفقتها عليه.

 

وقد جاء في الحديث الشريف أن النبي قال: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» [رواه مسلم].

 

لماذا اتخذت والدتك هذا الموقف؟

 

إن الأم يا ولدي بعد وفاة زوجها (والدك) تشتد حساسيتها تجاه تصرفات أبنائها. فهي لم تر في المكالمة مجرد مناقشة لعقد إيجار، بل رأت بقلبها أن ابنها الأكبر -الذي انتظرته ليكون سندها وعوضها- يقف أمامها موقف المحاسب، ويستكثر عليها اتخاذ قرار مستقل. هذا الجرح النفسي هو ما فجَّر غضبها وجعلها تتخذ هذا الموقف الصارم.

 

لا شك أن أموال التركة لها أحكامها الشرعية، وكان الأجدر بوالدتك أن تشاوركم، وقد تكون أخطأت في تصرفها، لكن يا ولدي حتى لو خسرت هذا المحل بالكامل؛ بل لو ضاعت الأملاك كلها، لكان ذلك أهون وأخف عند الله من أن تخسر رضا والدتك أو أن تبيت وهي غاضبة عليك.

 

سُئل أحد التابعين عن البر، فقال: «أَنْ تَبْذُلَ لَهُمَا مَا مَلَكْتَ، وَأَنْ تُطِيعَهُمَا فِيمَا أَمَرَاكَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً»

 

مواقف من السَّلَف في استرضاء الأم

 

إن التاريخ الإسلامي مليء بأروع الصور التي تبين كيف كان السلف الصالح يعاملون أمهاتهم بالتذلل والرحمة، منها:

 

كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمه وقال: «السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا أُمَّتَاهُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»، فتقول: «وَعَلَيْكِ السَّلَامُ يَا بُنَيَّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»، فيقول: «رَحِمَكِ اللهُ كَمَا رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا»، فتقول: «وَرَحِمَكَ اللهُ كَمَا بَرَرْتَنِي كَبِيرًا» [الأدب المفرد].

 

وكان محمد بن سيرين -رحمه الله- إذا كلَّم أمه يتكلم بصوت خفيض جدًّا كأنه صوت مريض، تذللًا لها وإجلالًا لمقامها.

 

وفي قصة الثلاثة الذين دخلوا غارًا فانطبقت عليهم صخرة أغلقت عليهم الغار، توسل أحدهم إلى الله –تعالى- ببر والديه حين حلب لهما اللبن ووقف عند رأسيهما طوال الليل حتى طلع الفجر، يكره أن يوقظهما أو يطعم أهله قبلهما، ففرَّج الله عنهم كربتهم [رواه البخاري].

 

قصة تكاد تنطبق على حالتك

 

ثم أسوق لك يا ولدي هذه القصة التي تكاد تنطبق على حالتك، وقد رواها البخاري في صحيحه، ومنها تخرج بإذن الله بطريقة تصلح بها ما بينك وبين والدتك وتسترضيها بإذن الله:

 

رُويَ أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ قال في بَيعٍ أو عَطاءٍ أعطَته عائِشةُ (وهي خالته، فضلًا عن كونها أمَّ المؤمنين): واللهِ لَتَنتَهينَّ عائِشةُ أو لَأحجُرَنَّ عليها، فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نَعَم، قالت: هو للَّهِ عليَّ نَذرٌ ألَّا أُكَلِّمَ ابنَ الزُّبَيرِ أبَدًا.

 

فاستَشفَعَ ابنُ الزُّبَيرِ إليها حينَ طالَتِ الهِجرةُ، فقالت: لا واللهِ لا أُشَفِّعُ فيه أبَدًا، ولا أتَحَنَّثُ إلى نَذري.

 

فلَمَّا طالَ ذلك على ابنِ الزُّبَيرِ، كَلَّمَ المِسورَ بنَ مَخرَمةَ، وعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ الأسودِ بنِ عبدِ يَغوثَ، وهُما مِن بَني زُهرةَ، وقال لهما: أنشُدُكُما باللهِ لَمَّا أدخَلتُماني على عائِشةَ؛ فإنَّها لا يَحِلُّ لَها أن تَنذِرَ قَطيعَتي.

 

فأقبَلَ به المِسورُ وعَبدُ الرَّحمَنِ مُشتَمِلَينِ بأرديَتِهما، حتَّى استَأذَنا على عائِشةَ، فقالا: السَّلامُ عليكِ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه، أنَدخُلُ؟ قالت عائِشةُ: ادخُلوا، قالوا: كُلُّنا؟ قالت: نَعَم، ادخُلوا كُلُّكُم، ولا تَعلَمُ أنَّ معهُما ابنَ الزُّبَيرِ.

 

فلَمَّا دَخَلوا دَخَلَ ابنُ الزُّبَيرِ الحِجابَ، فاعتَنَقَ عائِشةَ وطَفِقَ يُناشِدُها ويَبكي، وطَفِقَ المِسورُ وعَبدُ الرَّحمَنِ يُناشِدانِها إلَّا ما كَلَّمَته، وقَبِلَت منه، ويقولانِ: إنَّ النَّبيَّ نَهى عَمَّا قد عَلِمتِ مِنَ الهِجرةِ؛ فإنَّه لا يَحِلُّ لمُسلِمٍ أن يَهجُرَ أخاه فوقَ ثَلاثِ لَيالٍ، فلَمَّا أكثَروا على عائِشةَ مِنَ التَّذكِرةِ والتَّحريجِ طَفِقَت تُذَكِّرُهما نَذرَها وتَبكي، وتَقولُ: إنِّي نَذَرتُ، والنَّذرُ شَديدٌ، فلَم يَزالا بها حتَّى كَلَّمَتِ ابنَ الزُّبَيرِ، وأعتَقَت في نَذرِها ذلك أربَعينَ رَقَبةً، وكانَت تَذكُرُ نَذرَها بَعدَ ذلك، فتَبكي حتَّى تَبُلَّ دُموعُها خِمارَها.

 

فتأمل يا ولدي ما فعله ابن الزبير من إغضابه أمه وخالته عائشة –رضي الله عنها- لنفس الأمر تقريبًا الذي أغضبتَ بسببه والدتك، وكيف كانت ردة فعل عائشة كردة فعل أمك، فتلك مشاعر الأمهات التي لا تنكر، ثم كيف حرص ابن الزبير وحاول واحتال لرؤيتها والاعتذار لها، وكيف فعل أول ما رآها حتى رضيت عنه! وهذا ما سنخرج منه باقتراحات عملية لاسترضاء والدتك.

 

اقتراحات عملية لاسترضاء الوالدة

 

إن امتناع والدتك عن الرد ورفضها للوسطاء لا يعني النهاية؛ بل هو تعبير عن عمق ألمها واحتياجها لموقف صادق يرمم هيبتها ومكانتها.

 

1- المواجهة المباشرة: توقف فورًا عن الاتصالات الهاتفية والرسائل النصية؛ فالأزمة أكبر من أن تُحل عبر الشاشات. اذهب إلى بيت والدتك بنفسك. فإذا فتحت لك الباب، لا تقف لتتحدث، بل انكبّ على قدميها ورأسها ويديها تقبيلًا وتذللًا، ودع دموعك وندمك ينطقان قبل لسانك.

 

وإن رفضت دخولك فلا ترحل فورًا؛ بل انتظر عند العتبة، وأرسل لها أنك لن تبرح مكانك حتى ترضى عنك. أو افعل كما فعل ابن الزبير باستصحاب مقربين لكما تفتح لهم الباب وتدخل معهم، ثم تفعل مثلما فعل.

 

2- التنازل والإذعان: أعلن أمامها بوضوح أن المحل التجاري والأملاك وكل ما تملكون تحت قدميها، وأن عقد الإيجار الذي أبرمَتْه نافذ، وأنك لا تريد من الدنيا إلا رضاها. قل لها مثلًا: «يا أمي، المحل محلك، والمال مالك، وأنا وما أملك ملك يديك».

 

3- تخيَّر الوسطاء: استعن بشخص تحبه والدتك جدًّا ولا تستطيع ردَّه؛ كخالتك مثلًا، أو صديقتها المقربة، أو أبنائك الصغار (أحفادها)؛ إذ يمكن للأحفاد أن يدخلوا عليها محمَّلين بالورود والرسائل الطيبة منك.

 

4- كثرة الاستغفار والصدقة بنية الإصلاح: خصص صدقة يومية أو أسبوعية بنية أن يليَّن الله قلب والدتك عليك. والزم الاستغفار والدعاء في أوقات الإجابة، فقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلِّبها كيف يشاء.

 

5- عدم اليأس: لا تبتئس إذا رفضت محاولتك الأولى أو الثانية، فالأمومة فطرة غلابة، وصبرك على جفائها وحرصك المتكرر على استرضائها سيكسران قسوة غضبها ويتغلبان على رفضها مع استمرارك وحرصك على إرضائها.

 

وختامًا أخي الحبيب، اعلم أن قلب الأم خُلق محفوفًا بالرحمة والمغفرة، وما هذا الجفاء الذي تظهره إلا غلاف خارجي لحزنها مما بدر منك. ومتى رأت منك برًّا صادقًا، وانكسارًا حقيقيًّا، وتنازلًا عن كل أسباب الخلاف، فستفتح لك ذراعيها وتضمك إلى صدرها، فالأم لا تستطيع أن تقاطع ولدها إلى الأبد إذا رأت منه صدق الحب والبر.

 

أسأل الله أن يشرح صدر والدتك، ويرضيها عنك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

كيف تدخل السرور على قلب والديك؟

الرابط المختصر :