العقل الأداتي كيف غيّب المعنى الوجودي؟

هناك حديث عن أن عقل الإنسان أصبح عقلاً آليًّا يفكر بمنطق تشغيل الآلة وليس عقلاً يبحث عن المعنى.. فهل ترون أن تلك الفكرة حقيقة ومتحققة؟

أخي الكريم، إحدى المشكلات التي يواجها الإنسان المعاصر، هي تراجع التأمل الباحث عن المعنى والغاية من الوجود، رغم أن العقل وسيلة الإنسان الرئيسة في هذا التأمل، فمع تعاظم المادية وتراجع الفلسفة حدث تحول مقلق لهذا العقل، وهو أن العقل أصبح "أداة" تقنية أو حسابية غير معنية بطرح التساؤلات عن غايات الوجود أو القيم الإنسانية والأخلاقية.

 

العقل الأداتي هو مفهوم فكري صاغه فلاسفة "مدرسة فرانكفورت" النقدية، ويقصد به نمط من التفكير يركز على الوسائل والأساليب لتحقيق غاية معينة بأكبر كفاءة ممكنة، دون التساؤل عن القيمة الأخلاقية أو الإنسانية لهذه الغاية، فهو عقل "حسابي تقني" يهتم بـ "كيف ننجح؟" وليس "هل ما نفعله صحيح أم خاطئ؟".

 

ومدرسة فرانكفورت هي حركة فلسفية واجتماعية نقدية ألمانية، ترتبط بـمعهد الأبحاث الاجتماعية الذي تأسس عام 1923 في جامعة جوته بمدينة فرانكفورت، وجمع نخبة من المفكرين وعلماء الاجتماع والفلاسفة الذين سعوا إلى إعادة تفسير ونقد المجتمع الرأسمالي الحديث، والثقافة الجماهيرية، والأنظمة السلطوية.

 

العقل الأداتي واختزال الإنسان

 

أخي الكريم، العقل الأداتي يختزل الإنسان في بعد واحد هو البعد المادي، مركزًا على الوسائل وليس على الغايات، ويتحرك بمنطق نفعي برجماتي وليس وفق منظومة قيمية وأخلاقية، كما أنه ينكمش دوره النقدي، وينظر إلى الطبيعة كمجال للسيطرة والتوظيف وليس للتأمل الوجودي، وهو ما حذّر منه الفيلسوف الكندي "تشارلز تايلور" في كتابه "قلق الحداثة" من أن "العقل الأداتي أصبح سيدًا وإمبراطورًا" مع تراجع المقدس في بنية المجتمعات، وفقدان المخلوقات للدلالات التي تحيط بها وتكفل لها مكانتها في الوجود؛ ولذا حذر من هيمنة هذا العقل على الحياة بعدما غزا الكثير من مجالات الحياة، وضرب مثالاً بالمجال الطبي الذي حصر العاملين الطب في "سجن من التقنية الطبية" كبديل عن التواصل الإنساني.

 

ومن خصائص العقل الأداتي:

 

أخي الكريم، للعقل الأداتي عدة خصائص يجب الانتباه إليها، حتى لا يغطي هذا "العقل التقني" الباحث عن السيطرة والهيمنة، على دور العقل في البحث عن المعنى في الوجود:

 

* البرجماتية الشديدة: العقل الأداتي هو برجماتي نفعي يبحث عن مصلحته في الأساس بعيدًا عن السؤال الأخلاقي والقيمي ابتداءً وانتهاءً، فغايته واضحة وتتلخص في الربح والمنفعة وتحقيق المصلحة، ولهذا رأت مدرسة "فرانكفورت" أن البرجماتية تؤذن بأفول العقل.

 

البرجماتية والعقل الأداتي تلتقيان في النظر للعقل كأداة ووسيلة، ويلتقيان في أن قيمة الشيء تقدر بمدى منفعته، ويمكن القول بأن البرجماتية هي الإطار الفلسفي الذي شرعن وجود العقل الأداتي، وجعل من "المنفعة والجدوى العملية" المقياس الأعلى لكل نشاط إنساني.

 

* غياب النقد: هيمنة العقل الأداتي تؤدي إلى تهميش وتغييب العقل النقدي، والتفكير النقدي يبحث في "الغايات والماهية"، ويفكك البنى القائمة، ويسأل "لماذا نفعل هذا؟" وما هي العواقب الإنسانية والأخلاقية.

 

* تشيؤ الإنسان: مع العقل الأداتي يُنظر للإنسان على أنه شيء، أو آلة، ومن ثم ينظر لمشكلات الإنسان وتساؤلاته على أنها مشكلات تقنية وإجرائية، فتغيب المعايير وتختفي فكرة الحقيقة، ويسيطر منطق الاستهلاك، وتستبعد القيم الكبرى من النقاش كالحرية والعدل والرحمة، أو تتحول إلى أرقام وقياسات جامدة باردة بلا أي دلالة إنسانية.

 

* سيادة منطق التسليع: يحوّل العقل الأداتي كل شيء، بما في ذلك الدين والثقافة والفن، فالعقل الأداتي يُمثل المنهج الفكري الذي يُمهد الطريق لتحويل كل شيء إلى سلع، والتسليع: يأخذ هذا المنطق ويطبقه عمليًّا؛ فيتحول الإنسان والطبيعة إلى مجرد "أدوات" أو "سلع" تُباع وتُشترى.

 

* غياب البُعد الأخلاقي والقيمي: العقل الأداتي يعزل الأسئلة الأخلاقية عن العلم باعتبارها أسئلة "غير علمية" أو "غير عملية"، مما يؤدي إلى ممارسات وحشية مغلفة بـ "العقلانية الإجرائية" مثل ابتكار الأسلحة الكيميائية التي تقتل الكثير من البشر دون تتميز.

 

موضوعات ذات صلة:

كيف يمكن تنمية ملكة التفكير النقدي؟

التأمل لماذا نحتاجه وكيف نمارسه؟

الخوف الوجودي أزمة إنسانية