حكم تسميع سورة قرآنية معكوسة بنية تمكين الحفظ

اعتدنا على عمل مسابقات فيما بيننا لحفظ القرآن وهدفها الأساسي الوصول إلى أعلى درجة من الإتقان في حفظ القرآن الكريم، ومن بينها حفظ الآيات مع أرقامها، أو حفظ الصفحات مع الكلمة التي تبدا بها الصفحة، أو كم آية في كل صفحة، وأحيانا مع كلمة البداية في كل آية، ثم اقترح أحدهم أن نقرأ آيات السورة محل المسابقة بالمعكوس، بمعنى يبدا أحد القراء بقراءة الآية الاخيرة ثم الذي يليه بالآية التب قبلها حتى بداية السورة، فهل هذا النوع من التسابق مباح شرعا، مع كل التوقير والاحترام في قلوب المتسابقين لآيات القرآن الكريم، والهدف فقط هو تثبيت الحفظ بكل الطريق الممكنة، أفتونا مأجورين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، العناية بحفظ القرآن الكريم، والسعي لإتقانه، وتثبيته في الصدور، من أعظم القربات وأجل الطاعات التي يُرجى لصاحبها علو الدرجات. وما قمتم به من حرص ومسابقات لضبط الحفظ يعكس نية طيبة وتعظيمًا لكتاب الله، إلا أن الشريعة الإسلامية وضعت ضوابط للتعامل مع كلام الله تعالى، لا يجوز تجاوزها حتى وإن كانت المقاصد حسنة؛ صيانةً للقرآن الكريم عن أي عبث أو إخلال بنظمه وإعجازه.

 

اختصارًا:

 

حفظ أرقام الآيات، ومواضع الصفحات، وبداياتها: مباح شرعًا، ويدخل في باب الوسائل المعينة على إتقان الحفظ، بشرط ألا يطغى ذلك على الغاية الأساسية وهي التدبر والعمل.

 

قراءة آيات السورة بالمعكوس من آخر آية صعودًا إلى أولها: محرم شرعًا وممنوع منعًا مؤكدًا بالاتفاق؛ لمخالفته الترتيب التوقيفي للقرآن، وإخلاله بالمعنى والسياق القرآني، وإذهابه لجمال النظم والإعجاز، ولا يشفع في ذلك حسن النية أو الرغبة في تثبيت الحفظ.

 

حفظ القرآن ليس الغاية الوحيدة: يغالي البعض في التسابق في حفظ القرآن ظنًّا أنه هو الباب الأوحد لتحصيل بركة القرآن والفوز برضا الله، ولو كان كذلك لفات القرون الأولى أصحاب النبي والتابعين خير القرآن وبركاته، فالتدبر والفهم، والعمل بمقتضى الفهم، والتمكين لأحكام القرآن في الأرض هو الغاية الأعظم من نزول القرآن، والحفظ والاستظهار وسيلة للوصول إلى تلك الغايات، فينبغي ألّا تشغل الوسيلة الخلق عن الغاية.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: التسابق في حفظ أرقام الآيات والصفحات وبداياتها

 

هذا النوع من المسابقات جائز ولا حرج فيه، وهو من الوسائل المبتكرة التي تعين بعض الحفظة على الضبط واستحضار الآيات بقوة. وقد اعتنى المتقدمون بعدّ آيات القرآن وكلماته وحروفه، وصنفوا في ذلك كتبًا ومصنفات نافعة.

 

غير أن علماء العصر نبّهوا على ألا يُجعل هذا هو الهدف الأسمى الذي يُشغل به الطالب عن فهم المعنى؛ فالقرآن أُنزل للتدبر والعمل، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]. والاشتغال الزائد بالأرقام قد يصرف الذهن عن استشعار عظمة الآيات ومقاصدها.

 

ثانيًا: قراءة الآيات بالمعكوس من آخر السورة إلى أولها

 

هذا الفعل لا يجوز شرعًا، وهو منكر يجب التوقف عنه فورًا. وترتيب آيات القرآن الكريم ترتيب "توقيفي" أي بوحي من الله تعالى وبأمر من النبي ﷺ، لا يجوز تغييره أو التنكيس فيه بأي حال من الأحوال. وقراءة الآيات بالعكس تقطع السياق، وتفسد المعنى الذي أراده الله، وتُذهب إعجاز القرآن المتمثل في ترابط آياته.

 

وقد فرّق العلماء بين "تنكيس السور" كأن يقرأ سورة الناس ثم الفلق وهو خلاف الأولى أو مكروه، وبين "تنكيس الآيات" قراءة السورة من آخر آية إلى أولها وهو محرم وممنوع.

 

أورد الإمام النووي في كتابه "التبيان في آداب حملة القرآن": "وأمّا قراءة السورة من آخرها إلى أوّلها فممنوعٌ منعًا متأكدًا؛ فإنه يُذْهِبُ بعض أنواع الإعجاز، ويزيل حكمة الترتيب".

 

وقال الإمام السيوطي رحمه الله في "الإتقان في علوم القرآن": "الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك".

 

ونص الإمام الزركشي في "البرهان في علوم القرآن" على أن "ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيف من النبي ﷺ، وأمره من غير خلاف في ذلك بين المسلمين".

 

وبين الإمام ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الفقهية الكبرى" حين سُئل عن قراءة الآيات مقلوبة للتعلم أو غيره، فشدد في المنع وبيّن أن ترتيب الآيات توقيفي، وأن عكسها إخلال بنظم القرآن المعجز.

 

وقد استدل العلماء بإنكار السلف الشديد على التنكيس عمومًا، كما صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين سئل عن رجل يقرأ القرآن منكوسًا، فقال: "ذَلِكَ رَجُلٌ مَنْكُوسُ الْقَلْبِ" رواه الطبراني وغيره.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في تسميع سورة قرآنية معكوسة بنية تمكين الحفظ:

 

ترتيب آيات القرآن توقيفي: قاعدة قطعية عند أهل السنة والجماعة، تعني أن ترتيب الآيات لا مجال فيه للاجتهاد أو التغيير لأي غرض كان.

 

درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: المصلحة المرجوة تثبيت الحفظ باختبار العكس تُعارض مفسدة عظيمة تغيير النظم القرآني، وإفساد المعنى، ومخالفة التوقيف، والقاعدة تقضي بتقديم دفع المفسدة، فيُمنع هذا الفعل.

 

المقاصد الحسنة لا تُبرر الوسائل الباطلة: نية المتسابقين حسنة وفي قلوبهم توقير للقرآن، لكن النية الحسنة لا تحلل العمل إذا كان في ذاته مخالفًا للشرع ومخلاً بآداب التعامل مع كلام رب العالمين.

 

الوسائل لها أحكام المقاصد: تُطبق هذه القاعدة على الشق الأول الجائز حفظ الأرقام والصفحات؛ فبما أن المقصد إتقان القرآن مستحب، والوسيلة استذكار الأرقام والبدايات مباحة ولا محذور فيها، أخذت الوسيلة حكم الجواز والاستحباب. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

آداب الاستماع إلى القرآن الكريم

الجلوس مع حملة القرآن.. من أهم مصادر التحفيز

كيف نحوِّل «القراءة الآلية» للقرآن إلى تدبر وتأثر؟

كثرة قراءة القرآن الكريم أم التدبر: أيهما أولى؟