متى تبطل تصرفات كبار السن المالية؟

جدي كبير في السن وبدأ يعاني من بوادر ضعف في التمييز  لكنه لا يزال يحتفظ بهاتفه الذكي ويتقن استخدام التطبيقات البنكية. قام مؤخرا بتحويل مبلغ مالي ضخم كـ "هبة" لإحدى حفيداته دون غيرها وهو جالس في بيته. فهل يحق لبقية الورثة المطالبة بالحجر عليه مالياً وإبطال هذه المعاملة الرقمية الفورية بحجة انعدام الأهلية، أم أن مجرد إتقانه للتقنية ينفي عنه تهمة الخرف؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، سؤالكم يتناول مسألة دقيقة وهي تقييم الأهلية المالية لكبار السن وحكم تصرفاتهم المالية الفورية كالهبة لبعض الورثة مع وجود بوادر ضعف في التمييز الذهني، ومدى أحقية الورثة في طلب الحجر المالي بناءً على ذلك.

 

اختصارًا:

 

إتقان الجد لاستخدام التطبيقات البنكية لا ينفي عنه بالضرورة تهمة الخرف أو ضعف التمييز، فقد يكون ذلك مجرد اعتياد وذاكرة عضلية، ويحق للورثة المطالبة بالحجر عليه ماليًّا وإبطال المعاملة إذا ثبت يقينًا فقدانه لأهلية التصرف المالي، ولكن هذا الإثبات لا يُبنى على مجرد الشكوك، بل مرده إلى التقارير الطبية الدقيقة وملاحظة تصرفاته اليومية واختبار قدرته على التمييز، فإن ثبت فقدانه للأهلية بطلت الهبة، وإن ثبت تمييزه فهي هبة ناجزة وسارية ولا يحق لأحد إبطالها، مع التنبيه على كراهة أو حرمة تفضيل بعض الأحفاد بالهبة دون مسوغ شرعي.

 

وتفصيلاً:

 

يشترط لصحة التصرفات المالية كالبيع والهبة توافر "أهلية الأداء الكاملة"، والتي تعني كمال العقل والرشد. قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5]. والسفيه أو المعتوه أو من أصابه الخرف لا ينفذ تصرفه المالي لحماية ماله وحقوق ورثته.

 

أما إتقانه للتقنية، فقد نص المعاصرون على أن مهارة استخدام الهواتف الذكية قد تعتمد على الذاكرة الإجرائية التي قد تبقى نشطة لفترة ولا تعكس بالضرورة الذاكرة الإدراكية وقدرة الحكم المالي السليم.

 

الفيصل في الحكم التقارير الطبية والاختبار السلوكي:

 

مرد الأمر في إثبات انعدام الأهلية أو ثبوتها يرجع إلى جهتين متلازمتين:

 

تقرير الأطباء الثقات: فهم أهل الاختصاص في تشخيص درجات الخرف الزهايمر وغيره ومدى تأثيره على الإدراك العقلي.

 

ملاحظة باقي أعماله اليومية واختبار تمييزه: نص الفقهاء على جواز "اختبار" من يُشك في رشده. ومن أدق طرق الاختبار في هذه النازلة: أن يتم توجيه حفيد آخر ليطلب منه مبلغًا ماليًّا كما طلبت الحفيدة الأولى؛ فإن أعطاه وأعطى كل من سأله دون تقدير أو مبالاة بقيمة المال، فهذا مؤشر قوي على خلل الإدراك وضعف التمييز، وأنه يتعامل مع التطبيق البنكي كلعبة أو حركة آلية، وفي هذه الحالة يحق للورثة رفع الأمر للقضاء لطلب الحجر عليه ومنعه من التصرف حفاظًا على ماله، وتُبطل تصرفاته التي وقعت بعد ثبوت الخرف.

 

أما إن أعطى البعض ومنع البعض الآخر لمبررات يراها فهذا دليل على أنه يميز بين أفعاله ويقصد ما يفعل، وهنا لا يصح الحجر عليه وتنفذ هبته، وتُعتبر تصرفاته صحيحة قانونًا وشرعًا.

 

ومع ذلك، ينبغي تذكير الجد بحديث النبي ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ» متفق عليه، والأحفاد يأخذون حكم الأولاد في باب الهبة عند كثير من أهل العلم، فلا ينبغي التفضيل بينهم إلا لمسوغ شرعي كفقر شديد أو مرض أو كثرة عيال.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في سريان تصرفات كبار السن المالية:

 

اليقين لا يزول بالشك: الأصل في الإنسان العقل والأهلية، ولا يزول هذا الأصل بمجرد شك الورثة في قواه العقلية إلا ببرهان قاطع طبي وسلوكي.

 

تصرفات فاقد الأهلية باطلة: إذا ثبت الخرف، أخذ حكم المعتوه أو المجنون، وتكون تبرعاته وهباته باطلة لعدم صحة القصد.

 

الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا: العلة في صحة الهبة هي "الإدراك والتمييز"، وليست "القدرة التقنية"، فمتى وُجد الإدراك صحت الهبة، ومتى انعدم بطلت. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

هبة الأب لأحد أبنائه حال حياته.. تصرف مشروع أم محاباة ممنوعة؟

الهبة حال الحياة تصرف مشروع أم تعد آثم؟