كيف يوجه الداعية الناس في فقدان عزيز لهم إيمانيًّا؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية وإمام مسجد، أتعامل مع الكثير من الحالات التي تمر بفقدان عزيز، سواء كان أحد الوالدين، أو الزوج، أو الابن، أو الأخ، أو الصديق، وألاحظ أن بعض الناس يقعون في حزن شديد، وربما يصل بهم الحال إلى اليأس والقنوط، أو يلجؤون إلى وسائل غير شرعية كالنوح والنياحة، أو قد يلجؤون إلى التشكيك في حكمة الله وقضائه وقدره، وأحيانًا قد تنتاب البعض مشاعر الغضب أو الرفض أو الكفر.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">كيف يمكنني كداعية أن أواسي هذه الفئة، وأساعدهم على تجاوز هذه المحنة العظيمة، وأزرع في قلوبهم الصبر والرضا والإيمان بقضاء الله وقدره، وأوجههم نحو التعامل الشرعي مع هذه الفاجعة، وأن أنقل لهم البشارة بأن الموت ليس نهاية الحياة، بل هو انتقال إلى دار الخلود والنعيم أو الشقاء، حسب العمل؟</span><span dir="LTR" style="font-size: 16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif;mso-bidi-language:AR-EG"><o:p></o:p></span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله، ونسأل الله أن يثبتك ويسدد خطاك، وأن يجعل عزاءك في المصابين، وأجرك في المواساة.

 

إن التعامل مع فقدان عزيز هو من أصعب المحن التي قد يمر بها الإنسان في حياته، وهي اختبار عظيم لإيمانه وصبره، وهي لحظة فارقة قد تزيد الإنسان إيمانًا ويقينًا، أو تدفعه إلى الانهيار واليأس، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: 156-157)، فهذه الآية هي دستور المؤمن عند المصائب، وهي التي تمنحه القوة والصبر والطمأنينة.

 

وإليك أخي الكريم خطة عملية للتعامل مع هذه الحالات:

 

1. التأصيل الشرعي لقضية الموت والفقدان: بيّن للمصابين أن الموت هو حقيقة لا مفر منها، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأنه لا بد أن يلقى كل إنسان ربه، وأن هذا هو سنة الله في خلقه، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185). وأكد على أن هذه الحياة الدنيا ليست دار بقاء، بل هي دار اختبار وامتحان، وأن الله يختبر عباده بالموت والفقدان ليتبين من يصبر ويحتسب، ومن يجزع ويسخط.

 

2. تعزية المصابين بالكلمة الطيبة والدعاء: ابدأ بتعزية المصابين بالكلمات الطيبة التي تمسح الجراح وتخفف الألم، كقولك: "أحسن الله عزاءكم، وأحسن الله عزاكم، وغفر لميتكم، وألهمكم الصبر والسلوان"، وذكرهم بأن الله هو المعطي وهو المانع، وأنه ما شاء فعل، ولا اعتراض على حكمه، وأن الميت قد انتقل إلى رحمة الله، وأنه في ضيافته، وأن الدعاء له والصدقة عنه من أفضل ما يصل إليه بعد موته، وكما قال النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (رواه مسلم).

 

3. العلاج الإيماني والنفسي: قدّم لهم العلاج الإيماني والنفسي، وذلك من خلال:

 

O الصبر والاحتساب: حثهم على الصبر والاحتساب، وتذكيرهم بأجر الصابرين، وأن الله يبتلي من يحب، وأن المصيبة تكفر الذنوب وترفع الدرجات، كما قال النبي ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (رواه البخاري).

 

O التفكر في الآخرة: ذكرهم بأن هذه الحياة الدنيا فانية، وأن الآخرة هي دار الخلود والبقاء، وأن لقاء الأحبة في الآخرة هو الأمل الكبير الذي يجب أن يطرد اليأس من القلوب، وأن الموت ليس نهاية العلاقة، بل هو بداية حياة جديدة في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (الطور: 21)، وفي الحديث: «يَجْمَعُ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَتَّبِعُونَهُ، ثُمَّ يَنْحَصِرُ الْمُؤْمِنُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَلَا تَنْطَلِقُونَ إِلَى رَبِّكُمْ فَيَجِدُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَحِبَّاءَهُمْ» (رواه البخاري).

 

O الدعاء للميت والتصدق عنه: علمهم كيفية الدعاء للميت والتصدق عنه، وقراءة القرآن له، فهذا من أفضل ما يصل إلى الميت، ويخفف عنه، ويكون سببًا في رفع درجته في الجنة، كما أن هذا العمل يخفف عنهم حزنهم، ويشعرهم بأنهم ما زالوا على صلة بميتهم، وأنهم يفعلون شيئاً لروحه.

 

4. تفريج الكرب ومشاركة الأحزان: كن حاضرًا مع المصابين، واستمع إليهم، وشاركهم أحزانهم، وخفف عنهم وطأة الوحدة والعزلة، وتذكر أن مجرد وجود شخص يستمع إليهم بتعاطف، ويشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم في محنتهم، هو علاج نفسي قوي، وكما قال النبي ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (رواه مسلم).

 

5. التحذير من الممارسات غير الشرعية: حذر المصابين من الممارسات غير الشرعية التي قد تنتشر في مواسم الفقدان، كالنوح والنياحة واللطم وشق الجيوب، وضرب الخدود، ودعوى الجاهلية، وبيّن لهم أن هذه الممارسات تزيد المصيبة سوءًا، وتغضب الرب، وتنقص الأجر، وتكون سببًا في عذاب الميت، كما قال النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (رواه البخاري).

 

6. الإرشاد إلى التعامل الشرعي مع التركة: قدم لهم الإرشاد الشرعي حول كيفية توزيع التركة، وحقوق الورثة، والوصية، والديون، والتأكد من تنفيذها وفق أحكام الشرع، لتجنب النزاعات والمشاكل الأسرية، ولتكون مرضية لله وللميت، ولتجنب الوقوع في المآثم.

 

7. الصبر الجماعي والدعم المجتمعي: شجع العائلة والمجتمع على دعم المصابين، ومساعدتهم في تجاوز هذه المحنة، سواء بالدعم المادي أو المعنوي، أو بتوفير الطعام والشراب لهم في أيام العزاء، أو بالجلوس معهم وتخفيف وطأة الوحدة عنهم، فهذا يخلق جوًا من التكافل الاجتماعي، ويخفف عنهم الأعباء المادية والنفسية.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

• تحل بالصبر والرحمة والتعاطف مع المصابين، ولا تنظر إليهم نظرة شفقة، بل نظرة احترام وتقدير، وكن مستمعًا جيدًا لهم، وشاركهم في أحزانهم، وأشعرهم بأنك معهم في محنتهم.

 

• ذكّرهم دائمًا بأن الفرج مع الصبر، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن الموت هو انتقال إلى رحمة الله، وأن اللقاء بهم في الآخرة هو الأمل الباقي، قال تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

 

وأسأل الله العظيم أن يبارك في جهودك، وأن يجعل عزاءك في المصابين، وأجرك في المواساة، وأن يغفر لموتانا وموتى المسلمين، ويسكنهم فسيح جناته، ويجعلهم من الصالحين، إنه سميع مجيب.

 

روابط ذات صلة:

أُم مكلومة.. كيف يكون حوار الداعية بلسمًا لجراحها؟

كيف أتخلص من القلق ورعب الفقد وتوقُّع المصائب؟