ذهبت إلى العمرة بالتقسيط رغم غناها.. فهل تأثم؟

<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لي قريبة تريد أن تذهب لأداء العمرة، وهي غنية وقادرة على دفع تكاليف العمرة دفعة واحدة، ولكنها تريد أن تدفعها على أقساط، فهل تأثم على ذلك؟&nbsp;</p><p>وجزاكم الله خيرا.</p>

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، نشكر لك حرصك على التفقه في دين الله، والسؤال عن أحكام المعاملات قبل الإقدام عليها، لا سيما ما يتعلق بشعائر الله كالعمرة. والأصل في المعاملات المالية في الشريعة الإباحة والتيسير على الناس، ما لم تتضمن محذورًا شرعيًّا كالربا أو الغرر ونحوهما.

 

اختصارًا:

 

لا تأثم قريبتك بدفع تكاليف العمرة على أقساط رغم غناها وقدرتها على الدفع الفوري، وعمرتها صحيحة ومقبولة إن شاء الله. ويجوز لها ذلك بشرط واحد أساسي: أن يكون عقد التقسيط خاليًا من الربا كأن لا تُفرض عليها غرامات تأخير، أو ألا يكون التقسيط عبر قرض ربوي من بنك، وأن يكون إجمالي الثمن ومواعيد الأقساط معلومة ومحددة عند التعاقد.

 

وعلى أية حال فالشريعة وإن كانت أجازت الدين لكنها لم ترغب في الإسراف فيه، وحذرت المسلم من أن يموت دون أن يترك أداء هذا الدين فإن أخذت الأخت الكريمة بكافة الاحتياطات التي تؤدي إلى الوفاء بالدين سواء في الحياة أو بعد الممات فلا بأس به.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: حكم الذهاب للعمرة بالتقسيط:

 

رحلة العمرة تُكيف فقهيًّا على أنها عقد "إجارة" تقديم منافع كالنقل والسكن والخدمات. ودفع الأجرة مقسطة أو مؤجلة جائز شرعًا باتفاق المذاهب الفقهية.

 

وقد ثبت في السنة النبوية جواز الشراء وتأجيل الثمن، فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل، ورهنه درعه». وهذا دليل عام على جواز تأجيل الثمن كله أو تقسيطه.

 

ثانيًا: حكم لجوء الغني للتقسيط:

 

لا يوجد في الشرع ما يمنع الغني القادر من الشراء بالتقسيط أو تأجيل دفع ماله متى ما تراضى مع الطرف الآخر كشركة السياحة أو الحملة على ذلك.

 

وقد يظن البعض أن هذا يدخل في حديث النبي ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» متفق عليه. وهذا فهم غير دقيق؛ لأن "المَطْل" معناه: المماطلة وتأخير سداد الدين بعد حلول أجله. أما في عقد التقسيط، فإن القسط لا يجب سداده إلا في الموعد المتفق عليه، فإذا التزمت قريبتك بدفع كل قسط في موعده، فلا يعد هذا مطلاً ولا ظلمًا، بل هو وفاء بالعقد الذي قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].

 

ثالثًا: قرارات المجامع الفقهية وأقوال العلماء في تقسيط الغني مبلغ العمرة:

 

أجاز مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي في قراره رقم: 51 2/6 البيع بالتقسيط، ومما جاء فيه: "تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقدًا، وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل". ولم يتطرق أحد من الفقهاء -على حد علمي- إلى اشتراط فقر المشتري أو غناه عند الشراء بالتقسيط.

 

وعليه، إذا كانت شركة السياحة تزيد في السعر الإجمالي للعمرة مقابل التقسيط مثلاً: العمرة نقدًا بـ 1000، وبالتقسيط بـ 1200، فهذا جائز شرعًا بشرط أن يتم حسم الاختيار وتوقيع العقد على السعر المقسط قبل التفرق.

 

تنبيه شرعي مهم الشرط لصحة المعاملة:

 

يجب الحذر من أن يكون التقسيط ممولاً عن طريق جهة ربوية. كأن تدفع قريبتك التكاليف عن طريق بطاقة ائتمانية تفرض فوائد عند التأخير، أو أن تقوم شركة السياحة بإحالتها إلى بنك تقليدي يقرضها مبلغ العمرة بفائدة؛ ففي هذه الحالة يحرم التقسيط لأنه "ربا"، والربا محرم على الغني والفقير على حد سواء. أما إذا كان التقسيط مباشرة مع الشركة، أو عبر معاملة "مرابحة" إسلامية خالية من الشروط الربوية، فلا حرج عليها مطلقًا ولا إثم. فإن كان عندها شك بخصوص أي جزء من المعاملة فالأفضل لها الدفع نقدا حالَّا استبراء لدينها. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

الاستدانة من أجل الحج حكمها ومدى صحة الحج