<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أم لأربعة أطفال، تتراوح أعمارهم بين السادسة والرابعة عشـرة، وأشعر بقلق كبير تجاه أبنائي بسبب ما أراه من ضعف في القدوة الحسنة في الأسرة المسلمة المعاصرة. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">فالآباء والأمهات مشغولون بأعمالهم وضغوط الحياة، وعلاقاتهم مع أبنائهم أصبحت سطحية، وغابت عنهم القدوة العملية في الالتزام الديني والأخلاقي، مما جعل الأبناء يبحثون عن قدواتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، أو بين أصدقائهم، أو في وسائل الإعلام، حيث يجدون نماذج فاسدة تتبنى قيمًا منحرفة وأخلاقًا رديئة. وهذا يؤدي إلى انحراف سلوكهم وتشويه قيمهم وأخلاقهم، ويبعدهم عن دينهم وأسرهم.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">كيف يمكنني كأم مسلمة أن أعوض هذا الغياب، وأن أكون أنا وزوجي قدوة حسنة لأبنائنا، وأن نغرس فيهم قيم الإسلام وأخلاقه، وأن نوجههم نحو القدوات الصالحة في حياتهم؟</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-bidi-language:AR-EG"><o:p></o:p></span></p>
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أختي الكريمة، حياك الله، وبارك في همتك على حرصك على تربية
أبنائك تربية صالحة، وجعلك قدوة حسنة لهم.
إن ما تشعرين به
من قلق هو شعور طبيعي لدى كل أم وأب واعٍ، فغياب القدوة الحسنة في الأسرة هو أخطر
ما يواجه النشء المسلم في هذا العصر؛ فالقدوة الحسنة هي الأساس الذي يقوم عليه
بناء شخصية الطفل وسلوكه، وهي التي تشكل قيمه وأخلاقه، وهي الطريق الأقصر والأكثر
تأثيرًا في غرس الإيمان والعمل الصالح، وقد قال تعالى في وصف نبيه الكريم: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21)، والأسوة الحسنة هي القدوة العملية
التي يُحتذى بها.
وإليك
أختي الكريمة خطة عملية لبناء القدوة الحسنة في أسرتك:
1. أنتِ وزوجك القدوة الأولى والأهم: عليكِ أنتِ وزوجك أن تكونا قدوة حسنة
لأبنائكما في كل شيء، من خلال التزامكما بالصلاة في وقتها، وتلاوة القرآن الكريم،
والصدق والأمانة في التعامل، وحسن الخلق مع الجيران والأقارب، والابتعاد عن
المعاصي والمنكرات، فأنتما كتاب مفتوح يقرؤه أبناؤكما كل يوم، والأفعال أبلغ من
الأقوال، وكما قال الشاعر: "إذا لم تكن قدوة فاعلم بأنك لن تكون معلمًا".
فكوني قدوة في مظهرك وسمتك وطهارتك، وكوني قدوة في علاقتك مع زوجك، فالاحترام
والمودة بين الزوجين يعكسان صورة رائعة عن الأسرة المسلمة التي تسودها المحبة
والوئام.
2. بناء علاقة
قوية ومحبة مع الأبناء: لا
تكون القدوة مجرد توجيهات ونصائح، بل هي علاقة قوية مبنية على الحب والثقة
والاحترام. خصصي وقتًا يوميًّا للجلوس مع أبنائك، والاستماع إليهم، ومشاركتهم في
همومهم وأفراحهم، ومناقشتهم في القضايا التي تهمهم، وكوني صديقة لهم ومستشارة لهم،
فهذا يخلق جوًا من الألفة والثقة، ويجعلهم يتقبلون نصائحك وتوجيهاتك بسهولة، قال
تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ
لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.
3. التربية
بالأفعال وليس فقط بالأقوال: اجعلي
من حياتك اليومية نموذجًا عمليًّا للقيم الإسلامية، مثل الصدق، والأمانة، والعفو،
والصبر، والشكر، والمساعدة، والكرم، فعندما يراك ابنك تتصدقين، أو تعفين عن مسيء،
أو تصبرين على مصيبة، أو تشكرين الله على نعمه، فإنه يتعلم هذه القيم بالتطبيق
وليس فقط بالسماع، وتذكري قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَاحِشَ
الْمُتَفَحِّشَ» (رواه الترمذي)، فالحياء والخلق الحسن من صفات المؤمنين، وأنت
أولى مثال في القدوة على ذلك.
4. تقديم القدوات
الصالحة من التاريخ الإسلامي والمعاصر: اروي
لأبنائك قصص الأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين، الذين كانوا قدوة حسنة في
إيمانهم وأخلاقهم وجهادهم، وقدمي لهم نماذج معاصرة من العلماء والدعاة والمربين
والناجحين في مختلف المجالات، الذين جمعوا بين الالتزام الديني والتميز العلمي
والعملي، لتكون لهم قدوة يحتذون بها، واستثمري في جلسات القصص الليلية، وفي مشاهدة
البرامج الهادفة معهم، وفي قراءة الكتب التي تقدم هذه النماذج.
5. ترشيد استخدام
وسائل الإعلام ومواقع التواصل: لا
يمكنكِ فصل أبنائك عن وسائل الإعلام، ولكن يمكنكِ توجيههم وترشيد استخدامهم لها.
ضعي ضوابط لاستخدامهم للهواتف والإنترنت، واشتركي معهم في متابعة القنوات والبرامج
الهادفة التي تقدم محتوى مفيدًا وتربويًّا، وناقشيهم في المواد التي يشاهدونها،
وبيّني لهم الجيد منها والسيئ، وكيفية التعامل الناقد معها، وكوني على علم بما
يتابعونه، لتكوني قادرة على تقديم التوجيه المناسب، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا
أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: 6)، وهذا يشمل الوقاية من وسائل الإعلام الهابطة
التي قد تهدد دينهم وأخلاقهم.
6. إشراك الأبناء
في الأنشطة المفيدة: شجعي
أبناءك على المشاركة في الأنشطة المفيدة التي تبني شخصياتهم، مثل حفظ القرآن،
وحلقات تحفيظه، والدورات العلمية، والبرامج الرياضية، والأعمال التطوعية،
والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية الهادفة، فهذه الأنشطة تشغل وقتهم، وتصقل
مواهبهم، وتربطهم بالمجتمع الصالح، وتكون بديلاً جذابًا عن الانشغال بالملهيات
المضـرة، وكوني معهم في هذه الرحلة، وادعميهم وشاركيهم أفراحهم وإنجازاتهم.
7. الدعاء
والاستغفار والتضـرع إلى الله: لا
تنسي أن الدعاء هو السلاح الأقوى والأهم في تربية الأبناء، فكما قال النبي ﷺ:
«دَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ كَدَعْوَةِ النَّبِيِّ لِأُمَّتِهِ» (رواه
الطبراني). فادعي الله دائمًا لأبنائك بالصلاح والهداية والتوفيق، وأن يجعلهم من
عباده الصالحين، وأن يبارك فيهم وفي تربيتهم، وأن يجعلهم قرة عين لك في الدنيا
والآخرة، وكما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا
هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا
لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• تحلي بالصبر والأناة، فإن تربية الأبناء
تحتاج إلى صبر طويل، وعدم اليأس أو الملل، وتذكري أن النتائج قد لا تظهر فورًا،
ولكنها تظهر مع الوقت والاستمرار، كزرع البذرة التي تحتاج إلى وقت لتنمو وتثمر.
• كوني مرنة في
تعاملك مع أبنائك، وتفهمي احتياجاتهم ومشاكلهم، ولا تكوني صارمة أو قاسية معهم، بل
ادمجوا الحزم بالرحمة، والجدية بالمرونة، والصبر بالحكمة.
• تعاوني مع زوجك
في هذه المهمة، وكونا فريقًا واحدًا في تربية الأبناء، فتعدد القدوات في الخير
يعزز أثره، وكما قال النبي ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ
رَعِيَّتِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
وأسأل الله
العظيم أن يبارك لك في أبنائك، وأن يصلحهم ويصلح بهم، ويجعلهم من عباده الصالحين،
وأن يجعل لكِ في تربيتهم أجرًا عظيمًا، إنه سميع مجيب.
روابط ذات صلة:
مسؤولية القدوة في الإصلاح الاجتماعي
كيف نواجه غياب القدوة الحسنة في الإعلام وتأثيرها على المرأة المسلمة؟