<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية وكاتب إسلامي، أنشر محتوى دعويًّا وعلميًّا على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة. أعاني بشكل كبير من ظاهرة الجدل العقيم والحوارات الهابطة التي تدور في فضاءات هذه المنصات، حيث يتحول النقاش بين المسلمين حول أي موضوع كان إلى مشادات كلامية، وتجريح وشخصنة، وهجوم على المخالفين، وإهدار للوقت والجهد.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">كما يلجأ الكثير من المدافعين عن الإسلام إلى أساليب غير لائقة في الرد على الاستفزازات، مما يشوّه صورة الإسلام والمسلمين، ويصـرف الناس عن جوهر الدين، ويورث الأحقاد والضغائن بين أبناء المجتمع الواحد.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">كيف يمكنني كداعية أن أرقي هذه الظاهرة المزمنة، وأن أنشـر ثقافة الحوار الراقي والمثمر الذي يعزز الوحدة ويحقق أهداف الدعوة، ويقدم صورة مشرقة عن الإسلام وأخلاق أتباعه؟</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-bidi-language:AR-EG"><o:p></o:p></span></p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله وشكر لك حرصك على تقديم صورة مشرقة لديننا الحنيف، ونسأل الله أن يوفقك ويسدد خطاك.
إن ما تعاني منه هو آفة العصر
الرقمي حقًّا، وهي مشكلة عالمية، ولكنها تكون أشد خطورة عندما ترتبط بالدين، لأنها
تشوه صورة الإسلام وتنفر الناس منه، وتوقع المسلمين في هوة التعصب المقيت، وتشتت
جهودهم، وقديمًا قالوا: "المراء يفسد الود"، وقال النبي ﷺ: «أَنَا
زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ
مُحِقًّا» (رواه أبو داود والترمذي)، فالمراء والجدال المذموم من صفات
الجاهلية، وهو من آفات الإيمان التي تذهب بماء الوجه وتزرع الشحناء في القلوب، كما
قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ
إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: 46)، والجدل بالتي هي أحسن، أي
بالرفق واللين والبرهان، لا بالعنف والغلظة والشتم.
ولمواجهة هذا
الداء، أقترح خطة عملية:
1. التثقيف بآداب الحوار والجدل: ابدأ بنشـر الوعي بآداب الحوار الإسلامي
الأصيل، وضوابطه الشرعية، من خلال محاضرات وكتب ومقالات، وبيّن الفرق بين الحوار
البناء الهادف (الجدال بالتي هي أحسن)، والجدل العقيم المذموم، وأهمية الإنصات
الجيد، واحترام الرأي الآخر، والتعاون على البر، والتركيز على الموضوع وليس على
الشخص، وأن هدف الحوار هو الوصول إلى الحق، وليس إفحام الخصم أو الانتصار للنفس،
قال تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي
هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ
لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾.
2. تطبيق سياسة
الحوار "الراقي" في صفحاتك: اجعل
من صفحاتك ومنصاتك نموذجاً عمليًّا للحوار الراقي. ضع قواعد واضحة للنقاش، مثل: عدم
استخدام الألفاظ البذيئة، وعدم التَّجريح أو الشخصنة، وعدم الخروج عن الموضوع،
والتركيز على الأدلة والبراهين، وحذف أي تعليق أو رد يخالف هذه القواعد، مع توجيه
المتحاورين إلى الأسلوب الأمثل، وبذلك تصبح منصتك مدرسة عملية في فن الحوار
الإسلامي، فكما قال الشاعر: "قدوة اليوم هي أسهل طريق لتعليم الجيل".
3. ردّ الاستفزازات بالحكمة والموعظة الحسنة: عندما يتعرض الإسلام أو النبي ﷺ أو
المسلمون للاستفزازات على منصات التواصل، لا تندفع للرد بنفس الحدة أو بأسلوب غير
لائق، بل تريث، واستخدم الردود الحكيمة التي تركز على جوهر القضية، بعيدًا عن
التأثر بالمشاعر والانفعالات، وكن كالنبي ﷺ في حلمه وصبره وحكمته، وفي قدرته على
امتصاص الغضب واستيعاب الخصم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا
خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63)، أي يردون بأسلوب
رقيق سليم، لا يشتمون ولا يسبون، وهذه هي أخلاق القرآن، وهي التي تفتح القلوب
وتغيير النفوس، كما قال النبي ﷺ: «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا
زَانَهُ، وَمَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ» (رواه مسلم).
4. ترشيد طاقة
الجدال وتوجيهها: بدلاً
من إهدار الجهد في الجدال العقيم، وجّه هذه الطاقة نحو قضايا أكثر أهمية وبناء،
كالرد على الشبهات الموجهة للإسلام بأسلوب علمي رصين ومؤثر، أو نشر محتوى دعوي
مفيد، أو دعم المشاريع الخيرية والإنسانية.
5. الاستعداد
المسبق للردود: جهز
محتوى معدًّا مسبقًا (كتيبات إلكترونية، فيديوهات قصيرة، إنفوجرافيك) يحتوي على
الردود الواضحة على أكثر الأسئلة والشبهات إثارة للجدل، لتوفير الوقت والجهد في
الرد بشكل مهني وعميق، ولتقدم الردود العلمية المثبتة بالقرآن والسنة والعقل،
بدلاً من الارتجالية السطحية.
6. تحويل الجدال
الفارغ إلى فرصة تعليمية: عندما
يثار جدال حول مسألة فقهية أو عقدية، اغتنم هذه الفرصة لتقديم شرح علمي وموضوعي
للمسألة، من خلال منشور أو فيديو يوضح حكم الشرع فيها، ويعرض آراء العلماء، ويقدم
النموذج البديل والحل الأفضل، وبيّن للناس كيف يفكرون في القضايا، لا ماذا يفكرون
فقط، وهذا هو جوهر الحوار التربوي.
7. الضغط على
صناع المحتوى: ساهم
في حملات توعوية تطالب صناع المحتوى وأصحاب المنصات بتحسين جودة المحتوى العربي
والإسلامي، وتقليل المحتوى المثير للجدل، والحد من ظاهرة "الصيد في الماء
العكر"، واستثمار التعليقات السلبية في عمل منشورات جديدة تعالج هذه
السلوكيات.
8. تذكير الناس
بمقاصد الشريعة العليا: ذكر
جمهورك دائمًا بأن الغاية من وجودنا في هذه الدنيا هي العبادة لله، والتقرب إليه،
ونشر الخير، وليس الانشغال بالردود العقيمة التي لا تبني ولا تنفع، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56)، فهذه المقاصد هي التي تضبط سلوكنا في
الحوار والجدل.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• لا تخض في جدال لا طائل منه، فمن علامات
الجدل العقيم أن يكون بعيدًا عن الأصول أو لا يبني على نتيجته، أو يزيد المشكلة
تعقيدًا بدلاً من حلها.
• استمر في نشر
رسالتك بالحكمة والصبر، وتذكر أن كلمة طيبة قد تغير قلب إنسان، وقد ثبت في الحديث:
«اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ
طَيِّبَةٍ».
• احرص دائمًا
على أن تكون قدوة حسنة في أخلاقك ومحتواك، فما أجمل أن يكون النقاش والجدل هو
بالتي هي أحسن، وكما قال الشاعر: "إذا كنت في حاجة مرسلاً، فأرسل حكيمًا ولا
توصي".
وأسأل الله
العظيم أن يبارك فيك وفي عملك، وأن يجعل قلمك وفكرك أداة خير وهداية، وأن يقيض لك
من يعينك على نشر الخير والفضيلة، ويهدينا جميعًا إلى سواء السبيل.
روابط ذات صلة:
ضوابط المناظرة وأدب الحوار مع الآخر