<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.</p><p>أنا مرشدة طلابية بإحدى المدارس الثانوية، وأكتب إليكم بشأن طالبة في الصف الثاني الثانوي، عمرها ستة عشر عامًا.</p><p>الطالبة مؤدبة، ومتفوقة دراسيًا، وذات خلق حسن، ولا يُعرف عنها أي مخالفة سلوكية.</p><p>لكن أثناء إحدى الاختبارات لاحظت المعلمة أن أكثر من طالبة ينقلن الإجابات من ورقتها، بينما كانت هي ترى ذلك بوضوح، ولم تحاول إخفاء ورقتها أو الاعتراض.</p><p>وبعد انتهاء الاختبار استدعتها المعلمة، وسألتها:</p><p>"لماذا تركتهن يغششن منك؟"</p><p>فقالت:</p><p>"لم أستطع أن أحرجهن"</p><p>وبعد جلسة إرشادية معها، اكتشفت أن الأمر يتكرر منذ سنوات.</p><p>فهي لا تساعد زميلاتها في المذاكرة فقط، بل تسمح لهن بنقل الواجبات، وكتابة الأبحاث، وحتى الإجابة أثناء الاختبارات.</p><p>وعندما سألتها:</p><p>"ألا تشعرين أن هذا ظلم لك؟"</p><p>قالت وهي تبكي:</p><p>"أعرف أنه خطأ.. لكن إذا رفضت، سيقولون إنني مغرورة، ولن يبقى لي أحد"</p><p><br></p><p>المشكلة أن بعض الطالبات أصبحن يعتمدن عليها تمامًا، بينما هي أصبحت تشعر بالإرهاق والظلم، لكنها لا تستطيع الرفض.</p><p>كيف أساعدها على أن تكون متعاونة، دون أن تسمح باستغلالها أو بمشاركتها في الخطأ؟</p><div><br></div>
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، أيتها المرشدة الفاضلة..
أحييكِ
على أنكِ لم تنظري إلى الطالبة على أنها "متساهلة مع الغش" فقط، بل
بحثتِ عن الدافع النفسي خلف سلوكها. فكثير من المشكلات السلوكية لا يكون سببها ضعف
القيم، وإنما ضعف المهارة في حماية تلك القيم.
أولًا:
الطالبة لا توافق على الغش.. لكنها تخاف من الرفض الاجتماعي..
من
خلال وصفك، يبدو أنها تعاني من ارتفاع الحاجة إلى Social Approval،
أي الحاجة إلى القبول الاجتماعي.
فهي
لا تسمح بالغش لأنها تراه صحيحًا، وإنما لأنها تخشى أن تخسر علاقاتها إذا وضعت
حدودًا واضحة. وهنا يصبح الخوف من رفض الآخرين أقوى من قدرتها على الدفاع عن
مبادئها.
ثانيًا:
الفرق بين التعاون والتواطؤ..
من
المهم أن تدرك الطالبة أن هناك فرقًا كبيرًا بين:
-
(التعاون)، وهو أن تساعد زميلتها على الفهم قبل الاختبار.
-
(التواطؤ)، وهو أن تسمح لها بالغش أثناء الاختبار أو تنقل عنها الواجبات بصورة
تلغي مسؤوليتها.
فالتعاون
يبني الشخصية، أما التواطؤ فيضعفها.
ثالثًا:
لماذا يصعب عليها الرفض؟
لأنها
تحمل اعتقادًا داخليًّا يقول: "إذا قلت لا.. سأصبح غير محبوبة".
وهذا
الاعتقاد يُعرف في العلاج المعرفي بأنه Core Belief أو المعتقد الجوهري. والمشكلة أن هذه
المعتقدات لا تختبر الواقع، بل تبني قراراتها على الخوف.
رابعًا:
علميها الحزم المهذب..
هي
لا تحتاج إلى أن تصبح قاسية، وإنما تحتاج إلى تعلم التواصل الحازم باحترام.
يمكنها
أن تقول: "يسعدني أن أشرح لك الدرس بعد المدرسة، لكن أثناء الاختبار لا
أستطيع"، "أحب مساعدتك في المذاكرة، أما الإجابات فهي مسؤولية كل واحدة
منا". بهذه الطريقة تحافظ على العلاقة، وتحافظ على المبدأ.
خامسًا:
عززي هويتها الأخلاقية..
من
المهم أن تشعر أن التزامها ليس خوفًا من العقوبة فقط، بل جزء من شخصيتها. وهذا ما
يسمى بالهوية الأخلاقية. فعندما تصبح الأمانة جزءًا من هوية الإنسان، يصعب عليه
التنازل عنها لإرضاء الآخرين.
سادسًا:
التربية الإسلامية تبني الضمير قبل الرقابة
قال
الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى
الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، فهذه الآية وضعت ميزانًا دقيقًا؛ فليس كل مساعدة تُعد
إحسانًا، بل لا بد أن تكون فيما يرضي الله.
ولا
بد أن يُربّى المسلم على ألا يكون سببًا في انتشار الاتكالية والتواكل والغش أو
تسهيله.
سابعًا:
لا بد من دور بارز للمدرسة..
أنصح
بعقد لقاء إرشادي بعنوان: "كيف أقول "لا" دون أن أخسر احترامي أو
علاقاتي؟"، مع تدريب الطالبات على مواقف عملية يتعلمن فيها أساليب الرفض
المهذب؛ لأن المهارة تُكتسب بالممارسة أكثر من النصيحة.
همسة
أخيرة:
غاليتي،
علمي طالبتك أن ليس كل من يغضب منك بعد كلمة "لا" كان يحبك من البداية. فالصداقة
التي لا تبقى إلا إذا تنازلتِ عن مبادئك، ليست صداقة تُطمئن القلب، وإنما علاقة
تقوم على الاستفادة لا على المودة.
كوني
متعاونة، وسخيّة، ومحبة للخير.. لكن لا تسمحي لأحد أن يجعلك تجاملين على حساب
أمانتك.
وتذكري
دائمًا أن الإنسان قد يخسر إعجاب بعض الناس عندما يتمسك بقيمه، لكنه يربح ورضا
ربه، ثم احترام نفسه، وهذه أعظم المكاسب.
روابط
ذات صلة:
ابني لا يستطيع تكوين صداقات مستقرة.. ما العمل؟!