كيف يمكن للعقل أن يروض مشاعره وأفكاره بحيث لا تخرج عن السيطرة؟
أخي الكريم، ضبط الإنسان لانفعالاته، وتنمية قدرته
على التحكم في مشاعره، ليس عملية فجائية، ولكنها مسار تدريبي ممتد، يُمكن العقل تدريجيًّا
من التحكم في العاطفة وتوجيهها إلى المسارات التي حددها.
ومن هنا يجب ألا يظن أي شخص أن انفعالاته طلقة خرجت من
بندقية لا يمكن ردها، ولكن قد يكون في استطاعته أن يضع صمام الأمان ابتداءً، فلا
مجال لعشوائية أو فوضوية في المشاعر قد تعقد الأمور، وتكون عاقبتها أليمة، وربما
هذا ما نبه إليه الفيلسوف "أرسطو" حين قال: "أن تغضب أمر سهل، ولكن
أن تغضب من الشخص المناسب، بالقدر المناسب، في الوقت المناسب، للهدف المناسب،
وبالطريقة المناسبة.. فذلك ليس بالأمر السهل".
كيف يضبط العقل انفعالاته؟
أخي الكريم، هيمنة العقل على الانفعالات يبدأ من
اللحظة الأولى، التي تدرك فيها الحواس الأشياء، ليترجم العقل ذلك إلى فكرة وفعل،
ولعل هذا ما تنبه إليه الإمام "ابو حامد الغزالي" عندما قال: "اعلم
أن الخطرة تُوجب فكرة، والفكرة تُوجب تذكراً، والتذكر يُوجب إرادة، والإرادة تُوجب
فعلاً"، فعندما يبدأ العقل في رؤية الحدث بإدراك أنه ليس تهديدًا أو تهديدًا
يمكن التعامل معه من خلال بدائل متنوعة، هنا يتحقق للعقل هيمنة على الانفعال وضبط
للسلوك، ولهذا كان الفيلسوف اليوناني القديم "إبيكتيتوس" يقول: "لا
ينزعج البشر من الأشياء في ذاتها، بل من الآراء والظنون التي يشكلونها حول هذه
الأشياء".
رؤية علم النفس الحديث لا تفترق كثيرًا عما تحدث عنه
الفلاسفة السابقون، فنجد –مثلاً- عالم النفس الأمريكي الشهير "آرون بيك"
يقول: "إن إعادة هندسة العقل وإدارة الأفكار هي التي تمنح الفرد سيادة كاملة
على انفعالاته فالمشاعر ما هي إلا نتاج للأفكار"؛ فإعادة العقل لهندسة
الأفكار تمنحه هيمنة على الانفعالات والمشاعر، ومن خلالها يستطيع كبح جماحها
وإطلاق ما يريد في الوقت والظروف التي يراها مناسبة.
آليات العقل في الضبط
أخي الكريم، ليحقق العقل غايته في ضبط الانفعالات
وإدارة المشاعر، قد يكون من المهم اتباع عدة خطوات، منها:
التفسير والإدراك: العقل لا يتفاعل مع الحدث كما هو، ولكن من خلال إدراكه وتفسيره للحدث،
حيث يقوم بإدراك الحدث وتقييمه وتفسيره، وهو ما يعني أن المشاعر والمواقف وردود
الأفعال لا تنتج عن الحدث والموقف نفسه، ولكن تتوقف على الفهم والتفسير للحدث.
التنظيم الانفعالي القائم على التحكم المعرفي: من خلال الوعي باستخدام آلية الكبح والتحفيز فالعقل
يمتلك القدرة على كبح مشاعر الغضب، أو تحفيز مشاعر التفاؤل، ومن خلال هذا الضبط
يتحقق للعقل هيمنته الواعية على المشاعر.
التحكم
الانتباهي:
هو إحدى الاستراتيجيات الأساسية في علم النفس لتنظيم الانفعالات، ويعني إعادة
توجيه الانتباه، فبدلاً من الاستسلام لتوجيه الغضب، تكثيف الانتباه نحو عواقب انفلات
الانفعال، كذلك فبدلاً من الاستسلام للتحدي والأزمة، توجيه التفكير للبحث عن مخرج
وحل.
الحديث
الإيجابي مع النفس: من المهم أن يدير الإنسان حوارًا داخليًّا
بين عقله ونفسه وإدراكاته، يستمع إلى الأصوات المتعددة والمتنوعة في داخله،
والبدائل المطروحة للفعل، ثم يجعل العقل يختار بين تلك البدائل تبعًا لما تطرحه من
حجج وإقناع؛ ففي هذه الحالة الحوارية يصبح العقل هو الحكم والقاضي.
التأني
والتأمل:
التأني والتأمل وعدم التسرع في اتخاذ القرار أو الموقف، هذه الحالة تخفف من ضغوط
المشاعر التي تقيد هيمنة العقل؛ فالتأمل هو مساحة رحبة للعقل لتحقيق سيطرته،
والتأني هو مجال متسع من الزمن للعقل ليحقق هيمنته.
موضوعات
ذات صلة:
الصلابة النفسية.. كيف نحييها في حياتنا؟
كيف يؤثر الاستغناء في بناء شخصية قوية؟
السيولة الفكرية.. هل غابت الثوابت عن الإنسان المعاصر؟