هناك قيم ومصطلحات أصبحت غائبة عن واقع الحياة إلا قليلا مثل مفهوم الصلابة النفسية، فماذا نقصد بها وكيف نحققها في أنفسنا ومجتمعنا؟
أخي الكريم، يبدو أن طبيعة التنشئة والابتعاد عن
التجارب الحية القوية التي تصقل الشخصية، قد أصابت الكثير من الشباب بهشاشة نفسية،
فأصبحت قوتهم النفسية قابلة للكسر والتحطم مع أقل صدمة أو فشل أو تجربة لم تكتمل.
وهنا تبرز الحاجة للحديث عن الصلابة النفسية وكيفية
تحقيقها في الذات الإنسانية، ولماذا يبدو بعض الأفراد والمجتمعات أكثر صلابة من
آخرين؟
والحقيقة أن الحياة مليئة بالعقبات وكيفية التعامل معها
يساهم في رسم مسار الحياة للإنسان، وهذه العقبات والتساؤلات تواجه الإنسان منذ
الاستيقاظ حتى ما بعد نومه، وقدرته على التعامل معها يحدد مقدار قوته النفسية
وصلابته، فالإنسان مهما كان هدفه صغيرًا لا بد أن يواجه تحديات وعقبات.
الصلابة النفسية ضرورة حياتية
أخي الكريم، الصلابة النفسية
هي سمة شخصية تُمكّن الأفراد من مواجهة الضغوط والعقبات
بفعالية، وتحويل التهديدات والظروف الصعبة إلى فرص للتعلم والنمو، بدلاً من
الاستسلام لليأس أو الإصابة بالاضطرابات النفسية والجسدية.
ويعرفها علم النفس بأنها بمثابة "الخزان العقلي"
للقوة الذي يحمي الصحة النفسية والجسدية للفرد من الآثار السلبية للإجهاد والتوتر.
ومن
ثم فهي ضرورة وجودية تُمكّن الإنسان من الصمود أمام تقلبات
الحياة وتغير الأحوال، فهي تمنح الإنسان القدرة على مواجهة العقبات واستيعاب
الصدمات، والنهوض من الكبوات، وتجاوز الفشل والإخفاقات.
وقد تنبهت بعض المدارس الفلسفية من قديم إلى دور الذات
في إدراك العقبات والإخفاقات، فنجد مثلاً "المدرسة الرواقية" وهي مدرسة
فلسفية يونانية نشأت في القرن الثالث قبل الميلاد، وتركز على الأخلاق الشخصية وضبط
النفس وتحقيق السعادة، هذه المدرسة رأت أن الصلابة تبدأ حين نكف عن محاولة تغيير
العالم الخارجي، ونركز على ضبط ذواتنا، ولذلك طرحت فكرة "نحن لا نتأثر
بالأشياء نفسها، بل برأينا عن هذه الأشياء".
العناصر الثلاثة للصلابة النفسية
أخي الكريم، في كتاب "الصلابة النفسية: تسخير الضغط
لصالحك لتحقيق أهدافك الحياتية" طرح مؤلفا الكتاب "ستيفن ج. شتاين"
و"بول ت. بارتون" من خلال بحثهم على مدار (30) عامًا في مجال الطب
النفسي، طرحا ثلاثة عناصر، هي: الالتزام والتحكم والتحدي، لتحقيق الصلابة النفسية
وتجاوز مأزق القلق والتوتر الذي يصيب الإنسان بالهشاشة النفسية، فقد أظهرت
الدراسات أن قدرة الإنسان في مقاومة الآثار الضارة للتوتر هي معيار لصلابته
النفسية، وهو ما يعزز القدرة على الازدهار مهما كانت الضغوط.
- الالتزام: وهو يعني ارتباط الإنسان الفعلي
والمستمر بما يفعله في حياته؛ فالشخص عندما يمتلك مستويات عالية من الالتزام، لا
يستطيع أن يضعف أو ينسحب من علاقاته والتزاماته، ويميل إلى مواجهة الأزمات دون نية
للتراجع أو التخلي؛ لذا يوفر الالتزام دوافع متعددة للمقاومة ورفض اليأس.
- التحدي: فالأزمات والتحديات والمواقف الضاغطة
يُنظر إليها كفرص للتعلم والنمو الذاتي، وليس كتهديد لأمنهم واستقرارهم؛ فالفشل
ليس نهاية، ولكن درس يطور الذات.
- التحكم أو السيطرة: وهو يشير إلى الإيمان
الداخلي العميق بأن الأفعال والقرارات ذات تأثير مباشر وملموس على حياة الشخص
نفسه، فلا تعويل على الحظ أو الصدفة أو مفاجآت اللحظة الأخيرة، هذه السيطرة تُخرج
ذلك الشخص من عقلية الضحية، أو عقلية انتظار الحلول السحرية، إلى أن يصنع الإنسان
حلول أزماته من نسج أفعاله وأفكاره، وهنا يحول القلق والتوتر إلى طاقة للفعل
والعمل.
وختامًا أخي الكريم، الصلابة النفسية قد
تكون هبة من الخالق سبحانه وتعالى لبعض الناس، لكن تبقى إحدى ثمار البيئة، فهناك
بيئات تعلم الإنسان القوة والصلابة والابتعاد عن الليونة، ومن ثم فإن الكثير من
سمات الصلابة النفسية هي سمات كسبية يجب أن يسعى الإنسان إلى تعلمها واكتسابها،
فإذا كان الشاب يذهب إلى الصالة الرياضية ليقوي عضلاته ويبرزها، فلماذا لا يهتم
بروحه وطاقته النفسية، فهذه مسؤولية كبرى يجب الالتفات إليها والعناية بها.
موضوعات
ذات صلة:
كيف يؤثر الاستغناء في بناء شخصية قوية؟
ما هي الصدمة الثقافية وكيف تؤثر على التفكير؟
الهشاشة النفسية.. لماذا يعاني منها الشباب؟
كيف نوازن بين «الرضا» والإحباط من فقدان النِّعَم؟