انتظار «التقدير» من الناس.. احتياج طبيعي أم مرض نفسي؟

<p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">أنا رجل قربت على الخمسين سنة، بشتغل في وظيفة إدارية، والحمد لله ربنا رزقني بزوجه وأربعة أبناء، في منهم اللي بيخلص أواخر دراسته الجامعية، ومنهم اللي لسه بادئ حياته العملية</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">طول مسيرة حياتي، أخدت على نفسي عهد إني أكون السند والمساعد لكل اللي حواليا؛ فما اكتفيتش بس إني أأمن احتياجات بيتي وولادي المادية والنفسية وأشيل مصاريف دراستهم ومستلزماتهم، لا ده كمان نصايحي ومجهودي كان لخدمة قرايبي، ومساعدة زمايلي في الشغل إني أنقلهم خبرتي وأشيل عنهم جزء من شغلهم، ده غير إني كنت بقدر أقضي حوائج الجيران وبسعى في مشاكل عيلتنا الكبيرة</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">بس في الفترة الأخيرة، وبعد ما زادت الخلافات والضغوطات المتتالية في بيتي وشغلي، بدأت أرجع شريط الأحداث وأفكر في نفسي وموقفي. ولقيت إن المشكلة الكبيرة اللي تعباني وبتتكرر في كل موقف هي إني من جوايا بحب إن الناس (مراتي، ولادي، أهلي، زمايلي، وجيراني) يشوفوا حجم التعب والمجهود اللي بعمله، وببقى مستني منهم كلمة ثناء أو لفتة تقدير وامتنان على اللي بقدمه. ولما مش بلاقي التقدير ده، أو لما بيتعاملوا مع مجهودي ده على إنه أمر بديهي وحق مكتسب ما يستاهلش حتى كلمة شكرًا، بحس بضيق شديد وحسرة بتملى قلبي</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">التوتر والضغط المتكرر ده خلاني أراجع نفسي وأدور في نيتي ودوافعي، وطلعت معايا شوية أسئلة أتمنى ألاقي إجابتها عندكم</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>:</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">هل رغبتي الشديدة في إن الناس تشوف مجهودي وتقدر خدماتي تعتبر مرض أو مشكلة نفسية؟ ولا أنا إنسان طبيعي وفطري، والمشكلة الحقيقية في جحود وقسوة اللي حواليا اللي مش بيقدروني؟<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">أنا شايف من جوايا إن حب التقدير والاعتراف بالجميل ده غريزة فطرية واحتياج إنساني ما فيهوش عيب، وشايف إن في فرق بينه وبين الرياء المذموم في العبادات؛ لأن الرياء عكس الإخلاص لله عز وجل، وهو وحده اللي يستحق العبادة، أما الأعمال الدنيوية والتضحيات الأسرية والاجتماعية فالطبيعي إن الإنسان يتمنى وياخد عليها تقدير وشكر من الناس اللي بيعمل عشانهم. فهل الفهم ده صح شرعًا ونفسيًا؟ ولا في خلط أو مدخل خفي لآفات النفس؟<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وازاي أقدر أوازن بين إني أستمر في عطائي ورعايتي لبيتي واللي حواليا، وبين إني أحمي نفسي من مرارة الخيبة واستنزاف المشاعر لما مش بلاقي التقدير اللي كنت مستنيه؟</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وجزاكم الله كل خير</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الفاضل وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك لك في عمرك، وأن يجعل ما قدَّمته في ميزان حسناتك، وأن يقرَّ عينك بصلاح زوجتك وأبنائك، وأن يُسبغ عليك نعم الراحة والسكينة وإصلاح البال، وبعد...

 

الرغبة في التقدير مشكلة نفسية أم احتياج فطري؟

 

إن رغبتك في أن يرى من حولك تعبك ومجهودك وأن تلقَى منهم كلمة ثناء أو لفتة امتنان هي احتياج إنساني وفطري أصيل، وليس مرضًا ولا داءً نفسيًّا. فقد فطر الله النفس البشرية على كل من التأثر بالإحسان، والحاجة إلى التقدير والقبول الاجتماعي؛ فالإنسان كائن اجتماعي ينشط بالتقدير وينكمش بالجحود. ولذلك جعل الشارع الحكيم شكر الناس من تمام شكر الله عز وجل، فقال ﷺ: «لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ» [رواه أبو داود].

 

ولكن، أين تكمن المشكلة الحقيقية؟

 

المشكلة لا تكمن في وجود الرغبة في التقدير؛ بل تكمن في ربط الاتزان النفسي وراحة القلب به، وفي الوقوع في فخ ينصبه العطاء المستمر، ويمكن بيانه في نقطتين:

 

- الاعتياد والشعور بالاستحقاق: فعندما تسد احتياجات من حولك سنين طويلة بانتظام ودون انقطاع، يتحول الفضل في أذهانهم بمرور الوقت إلى «حق مكتسب»، وتتحول التضحية إلى «روتين». فالأبناء والزوجة والزملاء اعتادوا وجودك سندًا دائمًا لهم، وباتوا يتوقعون منك العطاء كشيء بديهي، دون أن يستشعروا حجم المجهود الذي تبذله.

 

- الارتهان العاطفي للآخرين: عندما تعطي وأنت تتطلع وتنتظر تلقائيًّا تقدير الطرف الآخر لترميم طاقتك النفسية، فإنك تنقل مفتاح راحة بالك إلى أيدي الآخرين. وحين لا تجد منهم ما تتوقعه -بسبب غفلتهم أو قصورهم- ينقلب العطاء من مصدر سعادة وإنجاز إلى مصدر خيبة واستنزاف.

 

فأنت يا أخي إنسان طبيعي، وما تشعر به من حسرة هو رد فعل عادي جدًّا على الجفاف العاطفي والجحود من المحيطين؛ لكن العلاج يبدأ من إعادة تنظيم توقعاتك، ونقل مركز التحكم في النفس إلى الداخل بدلًا من الخارج.

 

الحاجة إلى التقدير بين الفطرة والرياء

 

أشرتَ في سؤالك إلى فهمك الواعي للفرق بين الرياء في العبادة وبين طلب التقدير في الأعمال الدنيوية والاجتماعية. وهذا الفهم صحيح من حيث الأصل، ولكن ثمة خيطًا خفيًّا ودقيقًا ينبغي التفطن له شرعًا ونفسيًّا.

 

إن الرياء المذموم شرعًا هو إظهار العبادة التي هي حق خالص لله (كالصلاة والصيام) من أجل نيل مديح الناس؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. أما أعمال الرعاية والخدمة الأسرية والاجتماعية، فهي في أصلها معاملات وإحسان. وحين يفرح الإنسان بثناء الناس عليها من غير أن يكون عمله ابتداءً مراءاةً لهم، فهذا من الثواب العاجل المحمود؛ فقد سُئل رسول الله ﷺ عن الرجل يعمل العمل من الخير فيحمده الناس عليه، فقال: «ذَلِكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» [رواه مسلم].

 

فالأعمال الاجتماعية والتضحيات الأسرية في الإسلام ليست مجرد واجبات إنسانية؛ بل هي عبادات جليلة وقربات يتقرب بها العبد إلى الله إذا احتسبها؛ قال ﷺ: «إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى ما تَجْعَلُ في فِيهِ امْرَأَتِكَ» [متفق عليه].

 

وحين ينتظر المرء التقدير من الناس كشرط أساسي لرضاه عن عطائه، فإنه يُدخِل عمله في دائرة التعليق على الخلق، مما يسلب العمل بركته.

 

ولنا في سيرة الصالحين أسوة؛ حيث وصف الله حال أهل العطاء في أعلى درجات الإخلاص والاتزان بقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]. فلم ينفوا أن النفس قد تشتهي الشكر؛ بل أقاموا إرادتهم وقلوبهم على الاستغناء بالله، حتى لا يستبد بهم الطمع في المديح ولا يكسرهم جحود البشر.

 

وكانت عائشة -رضي الله عنها- إذا أرسلت صدقة إلى أهل بيت، تقول للخادم: «احْفَظْ مَا دَعَوْا بِهِ حَتَّى نَرُدَّ عَلَيْهِمْ مِثْلَهُ، وَيَبْقَى أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ»؛ أي أنها كانت تجعل المعاملة مع الله وحده؛ حتى لا تنقص من أجرها شيئًا مقابل الثناء، ولو كان مجرد دعاء!

 

اقتراحات عملية لحماية النفس من الاستنزاف

 

أخي الكريم، لكي تستمر في عطائك ورعايتك دون أن تحترق نفسيًّا، ولتتخلص من مرارة الخذلان، أضع بين يديك هذه المقترحات:

 

1- إعادة ضبط النية: اجعل عملك ورعايتك لأهل بيتك وقرابتك وزملائك استثمارًا مع الله الذي لا يضيع عنده مثقال ذرة. وعندما تشعر بالضيق لعدم التقدير، ذكِّر نفسك فورًا: «أنا لم أفعل هذا من أجل كلمة شكر منهم، بل فعلته ليرضى عني ربي»، حينها ستنقلب مرارة الخذلان إلى سكينة الإخلاص؛ قال تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [سورة الليل: 19- 21].

 

2- الاعتدال في الرعاية: بعض الناس يمارس العطاء المكثف كوسيلة غير مباشرة لطلب الحب والقبول. وبعد وقفتك هذه مع نفسك، يجب أن تدرك أنه قد حان الوقت لتفويض بعض المسؤوليات؛ فأبناؤك الذين ينهون دراستهم الجامعية أو يبدؤون حياتهم العملية أصبحوا رجالًا قادرين على حمل أعبائهم وأعباء البيت معك. اترك لهم مساحة لتحمُّل المسؤولية، فهذا ينفعهم ويزيح عن كاهلك عبئًا كبيرًا؛ وكذلك افعل مع عائلتك وزملائك.

 

3- التعبير الصريح عن احتياجاتك: في كثير من الأحيان لا يمارس الأهل الجحود عن قسوة أو تعمد؛ بل عن عدم إدراك لتعبك الذي تعودوا عليه. فتحاور مباشرة مع زوجتك وأبنائك دون عتاب مر، وصارحهم بمشاعرك واحتياجاتك. يمكنك القول بهدوء: «أنا أحبكم وأعمل وأجتهد من أجلكم، ولكنني أحتاج منكم أحيانًا إلى كلمة طيبة ودعم معنوي يشعرني بأنكم تدركون ذلك وتقدرونه».

 

4- وضع الحدود وترتيب الأولويات: ليس عليك أن تكون دائمًا السند والمخلِّص لكل مشاكل الأقارب والجيران والزملاء على حساب صحتك ووقت بيتك. تعلم أن تقول «لا» بلطف عندما تتجاوز الطلبات طاقتك النفسية أو الوقتية. وأعد ترتيب أولوياتك: نفسك وصحتك أولًا، ثم بيتك وأبناؤك، ثم الدائرة الخارجية حسب الاستطاعة.

 

5- الاستثمار في ذاتك وصحتك: اقترابك من سن الخمسين هو الوقت الأمثل لتخصيص مساحة خاصة بك: الاجتهاد في العبادة، واستدراك التقصير فيها، ممارسة الرياضة، العناية بصحتك، ممارسة هواية محببة... إلخ. فنفسك لها عليك حق؛ وقد أقر النبي ﷺ نصيحة سلمان لأبي الدرداء رضي الله عنهما: «إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» [رواه البخاري].

 

وختامًا أخي الحبيب، إن مسيرة عطائك الطويلة لن تضيع؛ بل هي مدَّخرة لك عند من لا تضل عنده الكتب ولا تُنسى عنده الحسنات. إنما أردتَ اليوم أن تعيد توجيه شراع سفينتك لتستكمل رحلتك بهدوء وسكينة، دون أن تجرفك أمواج التوقع وجحود الخلق. فاعمل بأصل العطاء، واستغنِ بالله عن خَلقه، واجعل تقديرك لنفسك مبعثه رضا ربك عنك وثباتك على الخير.

 

أسأل الله أن يثلج صدرك برضاه، وأن يصب عليك السكينة والراحة صبًّا، وأن يجعل ما قدمته لأهلك وولدك ومجتمعك في ميزان حسناتك. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

هل الفرح بثناء الناس يقدح في الإخلاص؟

للتحرر من الكبر وحب الظهور.. هل العلاج في العزلة؟!