هل يجوز الكذب أو التزوير للحصول على حق اللجوء؟

ما الحكم الفقهي في الاستفادة من اللجوء السياسي أو الإنساني عن طريق تقديم ادعاءات غير حقيقية لتفادي أخطار اقتصادية أو معيشية صعبة؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، يعد عقد اللجوء في الفقه المعاصر عقد أمان يربط بين اللاجئ والدولة المضيفة، وله أحكامه المرتبطة بـ "الأمان" و"العهد" و"الصدق". ويواجه بعض المسلمين في ديار شتى ظروفاً اقتصادية ومعيشية بالغة القسوة، مما يدفع البعض إلى تقديم طلبات لجوء مستندة إلى وقائع أو ادعاءات غير صحيحة أو مبالغ فيها للحصول على حق اللجوء، وتبرز هنا الحاجة الملحة لبيان الحكم الشرعي في هذه الممارسات التي تشمل الكذب الإداري، ومخالفة الأنظمة، والإضرار بالمصلحة العامة للجاليات واللاجئين الصادقين.

 

اختصارًا:

 

حرمة الادعاء الكاذب: يَحْرُم شرعاً تقديم معلومات أو وثائق أو ادعاءات غير حقيقية أو مفتعلة للحصول على اللجوء؛ لكون ذلك من باب الكذب المحرم، وشهادة الزور، والخداع المنهي عنه.

 

صلاح الغاية لا يبرر فساد الوسيلة: إن ضيق العيش والأزمات الاقتصادية المعيشية، وإن كانت أعذاراً لطلب الرزق والهجرة المشروعة، إلا أنها لا تبيح ارتكاب المحرمات كالتحايل والكذب وتزوير الحقائق.

 

حكم الاستفادة من المزايا المترتبة: المال أو الدعم أو وثائق الإقامة المحصلة بناءً على هذا اللجوء المبني على الكذب هو كسب مشوب بالحرج، والمطلوب شرعاً هو التوبة والسعي لتصحيح الأوضاع بالطرق النظامية المشروعة متى أمكن ذلك دون مفسدة أكبر.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: الأصول الشرعية العامة

 

استند العلماء في تحريم الكذب في العقود والعهود وتقديم الشهادات الزائفة إلى نصوص قاطعة:

مثل ما روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»، وكان متكئاً فجلس فقال: «ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور». وتقديم ادعاءات كاذبة للجهات الرسمية من صور "قول الزور" و"الزور الإداري".

 

حرمة أكل أموال الناس بالباطل: قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]. واعتبر الفقهاء أن الحصول على المساعدات والمزايا المادية المخصصة للاجئين عن طريق الكذب وتحت غطاء ادعاءات باطلة يندرج تحت أكل أموال الناس بالباطل.

 

الوفاء بالعهود وشروط البلدان المضيفة: استقر عند الفقهاء أن من دخل بلدًا بأمان أو بعهد ومنه تأشيرة الدخول أو قانون اللجوء فليس له أن يخون هذا العهد بالغش والخداع، لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34].

 

ثانيًا: آراء العلماء المعاصرين

 

المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث: أكد في قراراته وفتاويه المتعلقة بحقوق الأقليات والمسلمين في الغرب على وجوب الالتزام بالقوانين الوضعية للبلدان التي آوتهم ما لم تخالف نصًّا شرعيًّا، وشدد على حرمة التحايل والتزوير في المعاملات الرسمية والحصول على الإقامات أو المساعدات بطرق غير مشروعة، معتبرًا أن الكذب على السلطات يسيء إلى سمعة المسلمين ويشوه صورتهم.

 

الشيخ د. وهبة الزحيلي رحمه الله: نصّ في مباحث "فقه المعاملات والعلاقات الدولية الإسلامية" على أن العقود والمواثيق مع الدول بما فيها قوانين اللجوء والإقامة يجب احترامها، وأن الغش والخداع لإصدار وثائق رسمية أو نيل حقوق بغير حق محرم شرعًا؛ لأن المسلمين عند شروطهم ما لم تحل حرامًا أو تحرم حلالاً، شريطة ألا يكون في ذلك إكراه ملجئ يهدد الحياة.

 

دور الإفتاء الرسمية كدار الإفتاء المصرية وغيرها: أصدرت فتاوى متكررة تنص على أن "الحصول على الأموال أو الإقامات بطرق ملتوية أو بتقديم بيانات كاذبة للجهات الرسمية يعد تحايلاً محرمًا، ولا يبارك الله في كسب جاء عن طريق الكذب والغش"، وأن الحاجة الاقتصادية تُواجه بالعمل والسعي المشروع لا بالكذب والتزييف.

 

ويستثنى من ذلك بالطبع حالات الإكراه الشديدة التي تهدد الحياة أو التي لا دفع لها إلا بذلك، والله أعلم بما نفوسكم كما قرر القرآن الكريم.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في الكذب أو التزوير للحصول على حق اللجوء:

 

قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات بشرطها": والضرورة هنا لا بد أن تكون حقيقية وملجئة مثل الخوف على النفس أو العرض من القتل والاضطهاد الحقيقي، أما المصاعب الاقتصادية والمعيشية العادية فلا ترقى لمرتبة "الضرورة" التي تبيح الكذب وتزوير الحقائق والادعاءات السياسية الكاذبة.

 

قاعدة "الغايَة لا تبرر الوسيلة": فطلب الرزق أو تحسين المستوى المعيشي غاية نبيلة ومطلوبة شرعًا، ولكن الوسيلة المحرمة كالكَذِب وتلفيق قضايا اضطهاد وهمية تبطلها وتجعلها إثمًا لا بركة فيه.

 

قاعدة "المسلمون عند شروطهم": إن طلب اللجوء يضمن للاجئ حقوقًا مقابل التزامه بالصدق وتقديم بيانات صحيحة، والإخلال بهذا الشرط يعد نقضاً للعهد وخيانة للأمانة التي أعطيت له.

 

قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح": مفسدة الكذب وتشويه صورة الجاليات المسلمة، وتورط الشخص في الحنث والزور، وتعرضه لاحقاً لعقوبات قانونية صارمة كالسحب والترحيل تفوق بكثير المصلحة الاقتصادية المؤقتة المرجوة من هذا التحايل. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

إيواء اللاجئين وردهم بين القوانين المعاصرة وأحكام الشريعة