ما الحكم الفقهي لتصنيع وحيازة أسلحة الدمار الشامل التي لا تميز بين المقاتل وغير المقاتل وتفسد البيئة؟ وهل يجوز إتلاف هذه الأسلحة استنادًا إلى حرمة الإفساد في الأرض؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، قضية
تصنيع وحيازة أسلحة الدمار الشامل النووية، والبيولوجية، والكيميائية تُعدّ من
كبريات النوازل الفقهية المعاصرة. وقد أرست الشريعة الإسلامية الغراء قواعد سامية
للحرب العادلة، وسبقت المواثيق الدولية في وضع قوانين صارمة تحمي حقوق الإنسان،
وتحافظ على الضروريات الخمس، وتصون البيئة من التخريب. ولما كانت هذه الأسلحة
تتميز بقوتها التدميرية المطلقة، وطبيعتها "العمياء" التي لا تميز بين
المقاتل والمدني، وتمتد آثارها الكارثية لتدمير البيئة وإهلاك الحرث والنسل؛
استوجب ذلك بيانًا شرعيًّا دقيقًا يفصل بين حق الأمة في الدفاع عن نفسها ومبدأ
الردع، وبين تحريم الإفساد في الأرض والاعتداء العشوائي.
اختصارًا:
الاستخدام
والمبادأة: يَحْرُم شرعًا استخدام أسلحة الدمار الشامل التي لا تميز بين المقاتل وغير
المقاتل، وتؤدي إلى إهلاك الحرث والنسل وتلويث البيئة؛ لمخالفتها الصريحة لمقاصد
الشريعة، وانتهاكها الصريح لقواعد القتال في الإسلام التي تحرم استهداف غير
المقاتلين أو التدمير العبثي للبيئة.
التصنيع
والحيازة للردع: يجوز وربما يجب في بعض الظروف للدولة الإسلامية تصنيع
أو امتلاك هذه الأسلحة حصرًا من باب "الردع" وإرهاب العدو لمنعه من
الاعتداء وتحقيق توازن الرعب عملاً بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا
اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، على ألا يكون الغرض هو المبادأة بالاستخدام العشوائي.
إتلاف
أسلحة الدمار الشامل: يجوز، بل يُعدُّ مقصدًا شرعيًّا نبيلاً،
السعي لإتلاف هذه الأسلحة عبر المعاهدات الدولية القائمة على نزع السلاح استنادًا
إلى حرمة "الإفساد في الأرض". ولكن يشترط شرعًا أن يكون هذا الإتلاف
ونزع السلاح شاملاً وعادلاً بين جميع الدول؛ وألّا تنفرد به الدول الإسلامية فتصبح
عُرضة لابتزاز الأعداء وضعيفة أمام تهديداتهم.
وتفصيلاً:
أولاً:
آراء العلماء قديمًا في الأسلحة التي تعم بهلكتها
قاس
الفقهاء المعاصرون حكم أسلحة الدمار الشامل على النوازل القديمة المتمثلة في
الأسلحة والأساليب التي يعم تدميرها كالمنجنيق، والتغريق، والتحريق، وتسميم المياه
دستور
الحرب النبوي ووصية أبي بكر: أسس الإسلام مبدأ "التمييز"
وحرمة الإفساد البيئي. ومن أشهر النصوص وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه لجيش
أسامة بن زيد: «لا تقتلوا صبيًّا، ولا امرأة، ولا شيخًا كبيرًا، ولا تقطعوا شجرًا
مثمرًا، ولا تخربوا عامرًا، ولا تعقروا شاة ولا بعيرًا إلا لمأكله» تاريخ الطبري.
رمي
السم في مياه العدو: منع جمهور فقهاء الشافعية والحنابلة رمي
السموم في مياه الأعداء؛ لما فيه من الإهلاك العام الذي لا يميز، ولما يسببه من
إفساد مطلق للبيئة والبهائم والنسل.
وكره
الإمام مالك تحريق حصون العدو وتغريقها بالماء إن علم أن فيها نساءً وصبيانًا،
صيانةً لدمائهم المعصومة، ومنعًا للتدمير العشوائي.
ثانيًا:
آراء العلماء والمجامع الفقهية حديثًا
فضيلة
الشيخ يوسف القرضاوي: صرّح في مقالاته وفتاويه حول أسلحة
الدمار الشامل بالمنع، ونصّ على أن: "الأصل في القانون الإسلامي أنه لا
يُجَوِّز قتل مَن لا يقاتل، ومَن لا عَلاقة له بالحرب"، وأكد أن الأسلحة التي
تقتل الألوف والملايين دفعة واحدة، وتهدم الأبنية وتخرب العمران تعد من صور
"الإفساد في الأرض" المحرمة.
وزارة
الأوقاف المصرية والمؤسسات الرسمية: أصدرت بيانات تؤكد "تجريمها
دينيًّا وإنسانيًّا"، حيث اعتبرت أن "الاستخدام المدمر لهذه الأسلحة
يتسبب في تدمير شامل عشوائي يتعارض مع مبدأ العدالة... ويجب على المجتمع الدولي
العمل على نزع هذه الأسلحة ومنع انتشارها" صوناً للأرض من الإفساد.
القواعد
الفقهية الحاكمة في حيازة أسلحة الدمار الشامل:
قاعدة
"لا ضرر ولا ضرار": وهي أصل شرعي كلي يمنع استخدام كل ما
يلحق الضرر الكارثي بالبشرية والبيئة التي استخلف الله فيها الإنسان.
قاعدة
"لا تزر وازرة وزر أخرى": تمنع هذه القاعدة القرآنية
استخدام أي سلاح عشوائي يعجز بطبيعته عن التمييز بين المقاتل المعتدي، وبين المدني
المسالم والطفل والشيخ.
قاعدة
"درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح": إن مفسدة إبادة
النسل وتلويث البيئة وتشويه الأجيال القادمة أعظم من أي مصلحة عسكرية أو سياسية
ترتجى من استخدام هذا السلاح، وهو ما يبرر الدعوة لإتلافها والتخلص منها.
قاعدة
"الضرر يُزال": وبناءً عليها؛ فإن الدعوة إلى نزع وإتلاف
أسلحة الدمار الشامل، شرط أن يكون من الجميع بشكل منصف، هو مطلب شرعي يوافق مقاصد
الشريعة العليا في حفظ النفس والمال والدين والبيئة من الإفساد الماحق. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: