السهو في الصلاة.. للموسوس أحكام خاصة

<p>أنا بطبعي أسهو كثيرا في الصلاة وأوسوس يعني إن لم يكن في كل صلاة ولكن لا بد أن أوسوس بالذات أفكار قهرية.</p><p> صليت العصر وفي الركعة الثالثة كنت بدأت في الفاتحة ثم سهوت ثم عدت أكمل وبعد أن قرأت لا أدري هل قرأتها هكذا كلها أم لا ولكنني لم أعد قراءتها وركعت ثم سلمت بعد السلام قلت يمكن فعلا أنا لم أقرأها أنا كنت ساهية حتى عندما عدت أقرأ فسلمت وصليت ركعة وسلمت وسجدت للسهو هل يجب أن أعيد صلاة العصر؟</p><p>وجزاكم الله خيرًا.</p>

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، والوسوسة مرض يعتري الإنسان في صورة أفعال وأفكار تتسلط عليه وتضطره لتكرارها، فإن لم يكررها شعر بتوتر وضيق، ولا يزول هذا التوتر إلا بالمبالغة الخارجة عن حد الاعتدال.

 

اختصارًا: المبتلى بالوسوسة يعرض عن الشكوك والوساوس ولا يلتفت إليها، سواء منها ما تكرر أو كان حادثًا ما دام هذا الشك ناشئًا عن الوسوسة، فمن كان يوسوس في الوضوء مثلاً ثم جاءه الشك في الصلاة ولو لأول مرة، فإنه يعرض عنه ولا يسترسل معه، فإن الاسترسال مع الوساوس يُفضي إلى شر عظيم، وإن كان الشخص العادي يجب عليه أن يبني على اليقين، فإن من ابتلي بالوسوسة يجب عليه شرعًا أن يطرح الوساوس ولا يلتف مطلقًا إلى الشك، ولا يبحث أبدًا عن اليقين. فهو من أفضل ما يعالج به الوسواس.

 

وتفصيلاً:

 

طبيعة الوسوسة ومخاطرها

 

التكرار الخارجي: كإعادة الوضوء مرارًا حتى تفوت الصلاة، أو تكرار الفاتحة حتى يسبق الإمامُ المأمومَ بركن أو أكثر.

 

الترك الكلي: قد يتمكن الوسواس من الشخص فيجعله ينقطع عن العبادة والعمل بالكلية، وهو المقصد الأساسي للشيطان.

 

أسباب الإصابة بالوسوسة

 

الشيطان وكيده: وهو السبب الأعظم، ودليله ما رواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله: إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء لأن يكون حممة أحب من أن يتكلم به»، فقال ﷺ: «الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة». أي: لا تلتفتوا لما يزعجكم ويقلقكم.

 

العوامل النفسية والتربوية: مثل وقوع حدث أو موقف له أثر قوي في نفس المصاب، وتتطلب هذه الحالة عرض المريض على طبيب نفسي مختص.

 

خطوات التغلب على الوسواس

 

الصدق في الالتجاء إلى الله: التضرع والدعاء بصدق وإخلاص لإذهاب هذا البلاء، مع الإكثار من قراءة القرآن الكريم والذكر، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، والنوم والاستيقاظ، والدخول والخروج من المنزل والحمام، والتسمية والحمد عند الطعام والشراب، كما يُنصح بشراء كتاب "الأذكار" للإمام النووي ومعاودة القراءة فيه دائمًا.

 

الاستعاذة وقطع الاسترسال والإعراض التام:

 

الإعراض عن الوسواس وعدم تصديقه: وهو أعظم علاج؛ وكان بعض الصالحين إذا وسوس له الشيطان بعد الانتهاء من الوضوء أو الصلاة يقول له: «لا أقبل منك حتى تأتيني بشاهدي عدل على ما تقول».

 

الأدلة النبوية الحاكمة في قطع الخواطر الشيطانية:

 

في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ: «يأتي أحدكم الشيطان فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتى يقول له: من خلق ربك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته».

 

وفي سنن الترمذي عن ابن مسعود قال رسول الله ﷺ: «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، ثم قرأ: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ} [البقرة: 268].

 

وفي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: يا رسول الله: إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله ﷺ: «فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثاً»، قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني.

 

استحضار القلب واليقين وقوة العزيمة:

 

الانتباه لما يفعله المصلي أو المتوضئ واليقين به، كأن يتوضأ من إناء محدد يكفي للوضوء بلا زيادة ويجاهد نفسه على ذلك، وفي الصلاة ينصت للإمام ويتابعه.

 

من أقوال أئمة المحققين في التداوي من الوسوسة

 

شيخ الإسلام ابن تيمية:

 

"والوسواس يعرض لكل من توجه إلى الله تعالى بذكر أو غيره، فينبغي للعبد أن يثبت ويصبر ويلازم ما هو فيه من الذكر والصلاة، ولا يضجر، فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان... وكلما أراد العبد توجهًا إلى الله تعالى جاء من الوساوس أمور أخرى، فإن الشيطان بمنزلة قاطع الطريق... ولهذا قيل لبعض السلف: إن اليهود والنصارى يقولون: لا نوسوس، فقال: صدقوا، وما يصنع الشيطان بالبيت الخرب".

 

الإمام ابن حجر الهيتمي:

 

"له دواء نافع وهو الإعراض عنها جملة كافية... متى لم يلتفت لذلك لم يثبت، بل يذهب بعد زمن قليل، كما جرب ذلك الموفقون، وأما من أصغى إليها وعمل بقضيتها فإنها لا تزال تزداد به حتى تخرجه إلى حيز المجانين بل وأقبح منهم... واللعين لا غاية لمراده إلا إيقاع المؤمن في وهدة الضلال والحيرة ونكد العيش وثقله إلى أن يخرجه من الإسلام وهو لا يشعر".

 

الإمام العز بن عبد السلام:

 

"داء الوسوسة أن يعتقد أن ذلك خاطر شيطاني، وأن إبليس هو الذي أورده عليه، وأن يقاتله فيكون له ثواب المجاهد؛ لأنه يحارب عدو الله، فإذا استشعر ذلك فرَّ عنه... ولا تتسلط الوسوسة إلا على من استحكم عليه الجهل والخبل وصار لا تمييز له، وأما من كان على حقيقة العلم والعقل فإنه لا يخرج عن الاتباع ولا يميل إلى الابتداع".

 

الإمام النووي:

 

نقل عن بعض العلماء استحباب قول: "لا إله إلا الله" لمن بُلي بالوسواس في الوضوء أو الصلاة؛ لأن الشيطان إذا سمع الذكر خنس وبعد، ولا إله إلا الله رأس الذكر.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في سهو الموسوس في الصلاة:

 

اليقين لا يزول بالشك: من استيقن الطهارة أو أداء العبادة، لا يزول هذا اليقين بمجرد الشك أو الخاطر الشيطاني. فمن توضأ ثم شك في وقوع الحدث، أو صلى وشك في عدد الركعات بسبب الوسواس، يبني على يقينه السابق ويطرح الشك جانبًا.

 

المشقة تجلب التيسير: التكرار الناجم عن الوسواس يسبب مشقة نفسية وجسدية خارجة عن الاعتدال، والشريعة مبنية على رفع الحرج؛ لذا يرخص للمبتلى بالوسواس ما لا يرخص لغيره، فيُسقط الشرع عنه التكليف بالإعادة أو التتبع تخفيفًا عنه ودفعًا للمشقة.

 

الشك الكثير يُلغى ولا يُلتفت إليه: يفرّق الفقهاء بين الشك العارض والشك المتكرر الذي يصير داءً؛ فالأول يوجب البناء على الأقل أو اليقين، أما الشك الوسواسي فيجب على صاحبه الإعراض عنه تمامًا، وألا يعيد صلاة ولا وضوءًا، لقطع المادة التي يتغذى عليها المرض.

 

الشك بعد الفراغ من العبادة لا يؤثر: كل شك يطرق ذهن العبد بعد الانتهاء من الوضوء أو الصلاة فهو لغو لا حكم له، وتُعد العبادة صحيحة ومقبولة حكمًا، وذلك لسد الباب أمام الشيطان حتى لا يفسد على المسلم طمأنينته بعبادته. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف نتخلص من الوسوسة في نية الوضوء والصلاة؟

مريض الوسواس القهري وأحكامه الخاصة

الإخلاص والاستعاذة علاج للرياء والوسوسة