ما التكييف الفقهي للاتفاقيات الدولية المقيدة لانتشار التقنيات النووية أو الطبية بين الدول، وهل يُلزم المسلمون بها من باب الوفاء بالعهود؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله
ورعاك أن تنظيم
العلاقات الدولية وضبط حيازة الأسلحة النووية والتقنيات الطبية المتقدمة، يندرج في
الفقه الإسلامي المعاصر ضمن "فقه السياسة الشرعية" و"المعاهدات
الدولية". وتكتسب المعاهدات والمواثيق الدولية التي توقع عليها الدول
الإسلامية أهمية بالغة إذا كانت تتعلق بمصالح الأمة العليا وحفظ دماء الناس وأمنهم
البشري والبيئي، مما يستدعي تأصيلاً فقهيًّا دقيقًا يحكم مشروعيتها ومدى لزوم
الوفاء بها شرعًا.
اختصارًا: الاتفاقيات
الدولية المقيدة لانتشار التقنيات النووية أو الطبية المحظورة جائزة شرعًا إذا
كانت مبنية على تحقيق مصالح معتبرة ودفع مفاسد كبرى كالتلوث والإبادة الشاملة،
ويجب الوفاء بالعهود والمعاهدات التي تلتزم بها الدول الإسلامية طالما خلت من
الظلم البين والمصادرة المطلقة لسيادة الأمة في التنمية المشروعة. أما منع
المسلمين خصيصًا من امتلاك وسائل القوة والتقدم مع إباحتها لغيرهم فهو ظلم
واستعباد دولي لا يقره الشرع الحنيف، إذ مدار التحريم والتقييد يدور على إزالة
الضرر والعدالة المطلقة لا الهيمنة والاستكبار.
وتفصيلاً:
فقد
تناول الشيخ يوسف القرضاوي -رحمه الله- قضية أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية
بشكل مفصل في كتابه الموسوعي "فقه الجهاد"، ويمكن تلخيص رؤيته في النقاط
التالية:
الأصل
في أسلحة الدمار الشامل التحريم: يرى الشيخ أن الأصل العام في
أسلحة الدمار الشامل (كالأسلحة النووية والكيماوية والجرثومية) هو الحرمة والمنع،
نظرًا لما تلحقه من دمار هائل بالبشر والحجر والشجر، وما تسببه من إبادة جماعية لا
تُميز بين مقاتل ومدني ولا تستثني طفلاً أو شيخًا، فضلاً عن إفسادها البيئي
الخطير.
الضرورة
وتوازن الرعب: وعلى الرغم من أن الأصل هو الحظر، فقد قرر فضيلة
الشيخ رحمه الله أنه في حال كان أعداء الأمة يمتلكون هذه الأسلحة ويحتكرونها
لإرهاب المسلمين واستعباد شعوبهم، فإنه يجب على الأمة الإسلامية أن تسعى لامتلاك
هذه الأسلحة من باب "إعداد القوة" الواجب شرعًا لقوله تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، وذلك لتحقيق "توازن
الرعب" وردع العدوان، وحماية بيضة الإسلام والمسلمين من أن يكونوا فريسة
مستباحة للأمم الأخرى.
رفض
الهيمنة وازدواجية المعايير: وانتقد الشيخ بشدة سياسة احتكار القوة
والتقنيات النووية من قِبل الدول الكبرى واستخدام المنظومة الدولية لمنع الدول
الإسلامية خصيصًا من امتلاك أسباب القوة والمنعة، واعتبر أن بقاء المسلمين خالي
الوفاض من أسباب الردع في عالم لا يعترف إلا بالقوة هو تفريط محرم شرعًا يعرض
الأمة للهلاك والتبعية المطلقة.
مشروعية
الطاقة النووية للأغراض السلمية: وبالطبع لم يمانع الشيخ من امتلاك
التقنيات النووية والحديثة واستثمارها في مجالات التنمية والطب والعلوم النافعة،
بل حث عليها، بشرط الانضباط بالمعايير التي تمنع الإضرار بالبيئة أو التسبب
بالكوارث الإشعاعية.
وقد
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأصل في العهود والمواثيق التي تعقدها الدولة الإسلامية
أو من يمثلها مع غيرها هو الوجوب واللزوم، استنادًا لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا
بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34]، وقوله: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]. قال الإمام
الكاساني في "بدائع الصنائع" 7/101: "وإذا عاهد المسلمون كفارًا
عهدًا فلا يحل الغدر بهم؛ لأن الوفاء بالعهد أمر واجب، والغدر خيانة والخيانة
محرمة".
وقرر
مجمع الفقه الدولي، أن المعاهدات الدولية المعاصرة التي تقيد أسلحة الدمار
الشامل تأخذ حكم المعاهدات المؤقتة أو الدائمة بناء على المصلحة الشرعية، بشرط ألا
تؤدي إلى إخضاع رقاب المسلمين واستئصال شأفتهم. وجاء في قرارات مجمع الفقه
الإسلامي الدولي ما مؤداه أن السلم الدولي المنضبط بمعاهدات عادلة لمنع الضرر
العام هو مقصد شرعي معتبر.
واتفق
الفقهاء على تحريم استخدام وسائل الإبادة الجماعية التي لا تُميز بين مقاتل ومدني
والتي تفضي إلى الإحراق الكلي والإهلاك البيئي العام، مستدلين بما ثبت في الصحيحين
عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ».
يُقاس
السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل على النهي عن التعذيب بالحرق والإفساد المطلق
للحرث والنسل؛ فكما حظر الشارع وسائل القتال التي تُهلك المدنيين وتستأصل الزرع
والضرع كما في وصايا أبي بكر الصديق رضي الله عنه لجيوشه بعدم قطع الشجر أو إحراق
النخل، فإن السلاح النووي أشد فظاعة وضررًا، وعلة التحريم هي "الضرر العام
الشامل والإفساد في الأرض".
ولكن،
العدالة أساس الحكم في الشريعة الإسلامية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ
بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. ومن قواعد الفقه
الكبرى أن "التحكم بلا مرجح باطل"، وأن القوانين والمعاهدات التي تقوم
على ازدواجية المعايير تفقد صفتها المشروعة وتتحول إلى تسلط وهيمنة ظالمة.
بناءً
على ذلك، لا يُقبل شرعًا ولا عقلاً أن تُحتكر التكنولوجيا العسكرية النووية أو
الطبية المتقدمة لفئة من الدول تحتكر لنفسها حق الامتلاك والتجبر وتفرض الحصار
والمنع على الدول الإسلامية خصيصًا.
إن
المنع والتقييد إنما يجوز قبوله التزامًا سياسيًّا مؤقتًا إذا كان تنظيمًا عالميًّا
شاملاً يسري على الكافة بلا استثناء بهدف حماية البشرية جمعاء من مخاطر الفناء،
أما إن كان استئثارًا لقوة الغلبة واستعبادًا للأمم الضعيفة ومنعًا للمسلمين من
تحقيق الردع الكافي وصيانة استقلالهم، فهو باطل شرعًا، ولا يجب الوفاء بعهود جائرة
تبنى على الإذعان المطلق والظلم البين.
القواعد
الفقهية الحاكمة في موقف الإسلام من اتفاقيات الحد من انتشار الأسلحة النووية:
دفع
المفاسد مقدم على جلب المصالح: تقديم درء مخاطر الأسلحة النووية
والبيولوجية الفتاكة على مجرد امتلاكها إذا أدى ذلك إلى خراب ديار المسلمين وتهديد
وجودهم.
قاعدة
التصرف على الرعية منوط بالمصلحة: تقييد تصرفات الدولة في إبرام
المعاهدات الدولية بأن تكون محققة لمصالح الأمة العليا ودرأ لمفاسد الاستعمار
والتبعية.
قاعدة
العدل والمساواة: رفض التمييز الجائر والمعاهدات التي تكرس استبداد جهة
على جهة أخرى بلا مسوغ شرعي أو موضوعي عادل.
قاعدة
الضرورات تقدر بقدرها: التعامل مع القيود الدولية بقدر ما يرفع
الحرج ويحفظ الأمن دون إفراط يضيع الحقوق أو تفريط يؤدي إلى الهلكة. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة: