التهرب من الضرائب وأثره على نصاب الزكاة.. المحاذير الشرعية

كيف تُحسب زكاة مال الشركات العابرة للحدود التي تستخدم برامج التخطيط الضريبي، وتقوم بنقل أرباحها بين نطاقات قضائية مختلفة لتجنب الضرائب؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن الزكاة لهي عبادة مالية وركن من أركان الإسلام، وتتعلق بـ "الملك التام" للمال وتنميته، ولا تسقط بالتقادم ولا بالحيل القانونية أو المحاسبية. ومع التطور المالي والتجاري المعاصر، باتت الشركات العابرة للحدود متعددة الجنسيات تمتلك ذمة مالية اعتبارية تجب فيها الزكاة، مما يستوجب تكييف واقعها المحاسبي المعقد وفق ميزان الشرع لضمان وصول حق الله إلى مستحقيه دون نقصان.

 

اختصارًا:

 

تُحسب زكاة الشركات العابرة للحدود بالاعتماد حصرًا على "القوائم المالية المجمعة" للشركة الأم وجميع فروعها والشركات التابعة لها، وذلك لتقييم صافي الموجودات الزكوية للكيان ككل. هذا الإجراء المحاسبي يلغي أثر عمليات نقل الأرباح والديون البينية، ويكشف عن الحجم الحقيقي لـ "وعاء الزكاة". ولا يجوز شرعًا استخدام التخطيط الضريبي إذا كان يشتمل على عقود صورية، أو يؤدي إلى التهرب من دفع الزكاة أو إنقاصها، وتبقى الزكاة دَينًا لازمًا في ذمة الشركة أو المساهمين.

 

وتفصيلاً:

 

أولا: شرح مبسط لهذه المعاملة وتوضيح المحاذير الشرعية فيها:

 

تقوم الشركات العابرة للحدود بتقليل أعبائها الضريبية عبر إنشاء فروع أو كيانات تابعة في دول تُعرف بـ "الملاذات الضريبية" وهي دول تنعدم فيها الضرائب أو تنخفض جدًّا. وتستخدم آلية تُسمى "التسعير التحويلي" حيث يقوم الفرع الموجود في دولة ذات ضرائب مرتفعة ببيع السلع أو الخدمات للفرع الموجود في الملاذ الضريبي بأسعار بخسة، أو يشتري منه بأسعار مبالغ فيها، مما يؤدي دفتريًّا إلى ترحيل أرباح الشركة وتركيزها في الملاذ الضريبي هربًا من دفع الضرائب.

 

المحاذير الشرعية:

 

التهرب من الزكاة: إذا أدت هذه التعقيدات المحاسبية إلى إخفاء الحجم الحقيقي للسيولة أو الأصول الزكوية عن لجان الزكاة الإلزامية أو عن المساهمين الراغبين في إخراج زكاة أسهمهم.

 

صورية العقود أو التدليس: إصدار فواتير بأسعار لا تعكس القيمة الحقيقية أو العادلة للسوق يُعد من باب الكذب والغش في المستندات، وهو يتنافى مع مبدأ الصدق والشفافية في المعاملات الإسلامية.

 

الإخلال بالعهود وأكل أموال الناس بالباطل: إذا كانت الدولة تفرض ضرائب عادلة وتصرفها في المنافع العامة مقابل البنية التحتية والخدمات التي تنتفع بها الشركة، فإن التهرب منها عبر حيل دفتريّة يُعد نقضاً لعهد الإقامة أو الترخيص التجاري.

 

ثانيًا: تأصيل منع الحيل لتشتيت الأموال الزكوية

 

الأصل في تحريم التلاعب بالكيانات المالية تجميعًا أو تفريقًا هو قوله: "لا يُجْمَعُ بيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ولَا يُفَرَّقُ بيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" رواه البخاري. وهذا نص صريح في تحريم تغيير الهيكل المالي للهروب من الزكاة.

 

الإمام مالك بن أنس ت 179هـ: سدّ المالكية باب الحيل بقوة، وجاء في "الموطأ" لمالك: "من فَرَّ بها أي الزكاة قبل أن تَحِلَّ لم يَنْفَعْهُ فِرَارُهُ، ولَزِمَتْهُ الزكاةُ".

 

الإمام ابن قدامة الحنبلي ت 620هـ: أكد في كتابه "المغني" إحباط الحيلة بالقول: "فإن فعل ذلك أي نقل ماله أو بدّله فراراً من الزكاة لم تسقط عنه... معاملة له بنقيض قصده".

 

ثالثًا: تأصيل زكاة الشركات القابضة والتابعة

 

مجمع الفقه الإسلامي الدولي: أقرّ في قراره رقم 28 - 3/4 مبدأ "الشخصية الاعتبارية" للشركات، وأن الزكاة تجب على الشركة ككيان واحد إذا نص نظامها الأساسي على ذلك أو فُوّضت به من المساهمين.

 

هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية AAOIFI: نصّ "المعيار الشرعي رقم 35 بشأن الزكاة" في البند 4/1/2 بوضوح تام على طريقة التعامل مع الشركات المتشابكة لحل إشكالية نقل الأموال، حيث جاء فيه: "تُحسب الزكاة للشركات القابضة والشركات التابعة لها على أساس الميزانية الموحدة المجمعة إذا كانت الشركة القابضة تمتلك الشركة التابعة بالكامل، أو تمتلك نسبة تمنحها حق السيطرة". الميزانية المجمعة تقوم آليًّا بحذف العمليات والديون البينية بين الفروع، مما يفشل أي أثر للتخطيط الضريبي على حساب الزكاة.

 

الدكتور يوسف القرضاوي: أوضح في موسوعته "فقه الزكاة" أن التهرب من دفع الحقوق الواجبة عبر الحيل القانونية والمحاسبية يمحق بركة المال، وأن الذمة المالية للشركة يجب أن تُقوّم بناءً على الأصول والموجودات الحقيقية لا الدفترية المُتلاعب بها.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في التهرب من الضرائب وأثره على الزكاة:

 

العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني: التكييف الفقهي للزكاة يعتمد على حقيقة انتقال الأموال ومآلها الفعلي بين فروع الشركة، وليس على الفواتير الصورية أو المسميات الدفترية المستخدمة في التسعير التحويلي.

 

سد الذرائع: كل حيلة أو وسيلة محاسبية تفضي إلى إسقاط فريضة الزكاة أو تقليل وعائها بغير حق فهي وسيلة محرمة وممنوعة شرعاً.

 

من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه: تُطبق هذه القاعدة على من ينقل أرباحه أو يشتت أصوله قبيل نهاية الحول المالي للهروب من التكليف، فيُعاقب بإلزامه بدفع الزكاة كاملة بناءً على التقييم الحقيقي المجمع لأصوله.

 

الأمور بمقاصدها: نية التهرب وإخفاء الحقوق تؤثر في الحكم الشرعي للمعاملة، فإذا صُممت الهيكلة بغرض الغش وحرمان المستحقين، أثمت الشركة إدارةً وتنظيمًا. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

يهرب من الضرائب إلى الاستثمار في الصناديق المختلطة!

دور الزكاة في تحقيق الكفاية المادية للفرد والمجتمع

الضرائب والجمارك: حكم فرضها ودفعها والعمل في جبايتها