<p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أنا بنت أحب ربي، وأسعى يكون إيماني على فهم ويقين. عندي تساؤل أرجو أن أجد له عندكم إجابة شافية.<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">إذا كان رب العالمين حدد لنا أفعالنا وقدرها علينا قبل أن نولد، فكيف يحاسبنا عليها ونحن مفروض علينا فعلها؟<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">يعني ناس اللي مكتوب لها تعمل عمل صالح هتعمله وتدخل الجنة، واللي مكتوب لهم يعملوا السيئات هيعملوها ويدخلوا النار!<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">أتساءل بخشية والله وخوف من الله: أين العدل في ذلك؟ الفريقين لم يختاروا وقدر لهم طريق مشوا فيه، فلماذا ينعم فريق ويعذب فريق آخر؟!!</span></p>
مرحبًا
بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وأن
يرزقك نور العلم، وبرد اليقين، وأن يهديك سواء السبيل، ويجعلك من الهداة المهتدين،
وبعد...
فإن
المسألة التي طرحتِها -وهي التوفيق بين «القَدَر السابق» و«العدل الإلهي في
التكليف والحساب»- هي من أعظم المسائل التي شغلت العقول عبر التاريخ. ولعلاج هذا
التساؤل بطريقة شافية تُزيل الخوف وتبني اليقين، دعينا نُفكك هذه القضية إلى محاور
متكاملة تبين كيف تترابط الحكمة والعدل والمسؤولية البشرية في أرقى صورها.
العلم
الإلهي المسبق ليس إجبارًا ولا سلبًا للإرادة
إن
اللبس الأساسي ينشأ من الخلط بين «علم الله المسبق وكتابته للأحداث» وبين «الإجبار
والجبر». فالله -سبحانه وتعالى- يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف
يكون؛ لأنه يعلم الأمور بعلم مطلق خارج حدود الزمان والمكان.
وكتابة
القدَر في اللوح المحفوظ هي «كتابة كشف وعلم»، وليست «كتابة إكراه وقهر». بمعنى أن
الله كتب ما ستختارينه أنت بكامل إرادتك وحريتك، ولم يكتب عليك أفعالًا ثم أجبرك
عليها.
وأضرب
لك مثالًا للتوضيح، ولله المثل الأعلى: لو أن معلمًا خبيرًا بطلابه، يعلم أن
الطالب (أ) اجتهد وسهر وسيحصل على الدرجة النهائية، ويعلم أن الطالب (ب) أهمل ولم
يدرس وسيرسب، فكتب المعلم هذه النتيجة في دفتره الخاص قبل الامتحان بيوم. وعندما
جاء الامتحان، وقع الأمر كما كتب المعلم تمامًا. هل نستطيع أن نقول إن كتابة
المعلم في دفتره هي من أدت إلى رسوب الطالب (ب) أو أجبرته على عدم المذاكرة؟
بالطبع لا؛ لأن كتابة المعلم كانت بناءً على معرفته الدقيقة بسلوك الطالب، ولم تكن
سببًا في فرضه عليه.
فالله
-عز وجل- كتب المقادير بناءً على علمه المطلق بما سنختاره نحن بأنفسنا في ميدان
الاختيار.
هبة
الإرادة الحرة والقدرة على الاختيار
لقد
خلق الله الإنسان ومنحه أدوات التكليف: العقل، والإرادة، والقدرة، وأرسل الرسل
وبيَّن الطريقين. ولو كان الإنسان مسيرًا في كل أفعاله لبطلت فائدة العقل، ولما
كان هناك معنى لإرسال الرسل وتنزيل الكتب، ولما وُجد فرق بين المحسن والمسيء.
إن
منح الإنسان القدرة على الاختيار هو الأسلوب الوحيد الذي يجعل لأفعاله قيمة حقيقية
وثمرة ملموسة. فالخير لا يكون خيرًا ذا قيمة أخلاقية وإيمانية إلا إذا صدر عن
اختيار ورغبة في تحقيق الصلاح، وكذلك الشر لا يتحمل الإنسان مسؤوليته إلا إذا أقدم
عليه بكامل إرادته.
يقول
الله -تعالى- في بيان هذا الاختيار الممنوح للإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ
السَّبِيلَ إِمَّا شَاكرًا وَإِمَّا كفُورًا﴾ [سورة الإنسان: 3]. ويقول سبحانه:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ
فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكفُرْ﴾ [سورة الكهف: 29].
وأنت
يا ابنتي الآن، عندما تصلين أو تتصدقين، هل تشعرين بيد تدفعك دفعًا أو تجبرك على
حركات الصلاة رغمًا عنك؟! وعندما يرتكب شخص معصية، هل يرتكبها وهو مكره يصرخ ويريد
الطاعة ولا يستطيع؟! الواقع يخبرننا أننا نفعل الأشياء برغبتنا، ونتركها برغبتنا.
العدل
الإلهي في الثواب والعقاب
يتجلى
العدل الإلهي في أن الحساب بالثواب أو بالعقاب لا يكون على «ما كُتب في علم الله»،
بل يكون على «ما مارسه الإنسان فعليًّا من أفعال واختيارات».
العدل
يقتضي أن المصلح الذي يسعى لنفع الناس وإشاعة الخير والنور يحصد ثمرة عمله ونفعه،
وأن المفسد الذي يرتكب الجرائم وينشر الضرر يحاسب على ما سببه من أذى وفساد. لو
ساوى الله بين الفريقين، أو لو عاقب إنسانًا دون أن يمنحه فرصة الاختيار والعمل،
لكان ذلك يبتعد عن العدل. لكن الله حرَّم الظلم على نفسه تحريمًا مطلقًا.
قال
الله تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ
وَمَا رَبُّك بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [سورة فصلت: 46]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَك حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا
وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: 40].
ولذلك
عندما سأل الصحابة رضوان الله عليهم النبي ﷺ تساؤلك هذا نفسه تقريبًا، وأرادوا
الاتكال على ما كتب، أرشدهم النبي ﷺ إلى
القيمة الحقيقية للعمل والسعي، وأن كل إنسان ميسَّر وموجَّه عبر اختياراته لما
يُصلح عاقبته.
فعن
علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اعْمَلُوا فَكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا
خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ
أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُ
لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ» [رواه البخاري].
مفارقة
عجيبة في حياتنا اليومية
من
الملاحظ أننا نقع في تناقض غريب؛ ففي أمور الدنيا (كالبحث عن الوظيفة، أو العلاج
من مرض، أو شراء منزل... إلخ) نأخذ بكامل الأسباب، ولا يقل أحدنا: «إن كان مكتوبًا
لي هذا الأمر فسيحدث دون أن أسعى إليه»؛ بل نراعي في هذه الأمور تمامًا قانون
الأسباب والمسببات والمنافع المترتبة عليها! بينما عند التكليف والعمل للآخرة،
يركن البعض إلى فكرة القَدَر والتسيير! والعدل يقتضي أن نتعامل مع طريق الآخرة
بالأخذ بالأسباب أيضًا، والحرص على جلب النفع لنفوسنا والنجاة بها من الهلاك،
تمامًا كما نفعل في حياتنا اليومية.
اقتراحات
لترسيخ اليقين وراحة البال
1-
التركيز على دائرة العمل: الله لم يطالبك بمعرفة ما في اللوح
المحفوظ، فهذا سر إلهي، وإنما طالبك بما في دائرة قدرتك واختيارك من أعمال.
فركِّزي جهدك فيما ينفعك وينفع من حولك.
2-
الاستزادة من الأعمال الصالحة ذات الأثر: العمل
الصالح والصدقة ونفع الآخرين يورث القلب حلاوة الإيمان، واليقين يزداد بالعمل،
وليس بالفكر المجرد فقط.
3-
الدعاء والتضرع: التوجه لله بطلب الثبات، ومن الأدعية النبوية:
«يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك» [رواه الترمذي].
4-
معرفة الله حق المعرفة: وذلك بالعلم والتأمل في أسمائه
الحسنى وصفاته جل وعلا، مثل: العليم، والحكيم، والعادل، والرحيم، فكلما عرفت ربك
أكثر، اطمأن قلبك لعدله ورحمته المطلقة.
وختامًا
يا ابنتي، اطمئني تمامًا؛ فربك أرأف بك من نفسك، ولن يظلمك ولا أحدًا من خلقه
مثقال ذرة. وكل خطوة تخطينها نحو الصلاح هي اختيارك النابع منك الذي يحبه الله
ويثيبك عليه ويضاعفه لك.
أسأل
الله -عز وجل- أن يملأ قلبك بنور اليقين، وأن يوفقك لكل ما يحب ويرضى، وأن يجعلك
من السعداء في الدنيا والآخرة، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله
وصحبه وسلِّم.
روابط
ذات صلة: