هل نستفيد من فعل الخير وهل فعل الخير يحسن قدراتنا النفسية والعقلية والاجتماعية؟
أخي
الكريم، فعل الخير والمعروف، لا يقتصر جزاؤه على الآخرة فقط، ولكن فعل الخيرات
يُحسن صحتنا النفسية ويحقق جانبًا عميقًا من شعورنا بالسعادة، ويقوي تماسكنا
الاجتماعي، ويخفض التوترات والاحتقانات الاجتماعية؛ بل ويقلل من أعداد الجرائم.
الخير
والصحة النفسية
أخي
الكريم، تثبت الأبحاث والدراسات الحديثة أن فعل الخيرات وبذل المعروف يحقق
رفاهيتنا النفسية ويحسن عافيتنا الروحية ومزاجنا؛ ففعل الخير يعود علينا بالفائدة
والنفع.
في
دراسة نشرت عام 2019 بعنوان "المحبة واللطف يبطئ الشيخوخة البيولوجية"
خلصت إلى أن شعور التعاطف واللطف مع الآخرين، من مسببات إبطاء الشيخوخة من الناحية
البيولوجية، وأرجعت الدراسة السبب إلى أن أحد أجزاء الحامض النووي يسمى
"التيلوميرات" Telomere يلعب دورًا في نمو الخلايا، ويؤثر شعور
الرحمة واللطف على تلك الأجزاء إيجابيًّا، وتحدث علماء آخرون أنه مع فعل الخير،
يُطلق هرمون آخر هو الإندورفين Endorphin، المُسكن للألم في الجسم، والذي يؤثر على
دماغ الإنسان، بطريقة تشبه العقاقير الطبية.
ونفس
النتيجة خلصت إليها دراسة أخرى نشرت عام 2023م إلى أن التعاطف والتراحم مع الآخرين
يُبطئ من الشيخوخة؛ فالسلوك الاجتماعي الايجابي له آثاره الإيجابية على الصحة
النفسية؛ نظرًا لأن الدافع الكامن وراء السلوك ذو تأثير مهم على الإنسان، فعندما
يقدم الشخص معروفًا للآخرين بدافع التعاطف والتراحم -فبحسب تلك الدراسة- يتمتعون بانخفاض
معدل الوفيات، ويتمتعون برفاهية نفسية أعلى.
تُظهر
دراسات علم الأعصاب، ومنها دراسة بعنوان "الرحمة لا تعرف التعب" نشرت
عام 2018، أن الرحمة -وهي الخطوة التي تتجاوز التعاطف إلى فعل الرعاية- تُنشّط
شبكات المكافأة والانتماء، مُطلقةً هرمون "الأوكسيتوسين" أو هرمون الحب،
الذي يخفض التوتر ويساهم في صحة القلب؛ فالرحمة تحمينا من الإرهاق النفسي.
الخير
يقوي البدن
وفي
دراسة علمية نشرت عام 2025م أن "أعمال الخير يمكن أن تعزز ليس فقط الصحة
العقلية ولكن أيضًا الصحة البدنية وطول العمر"، وهو ما يتوافق مع دراسة أخرى
نشرت عام 2023م "السلوك الاجتماعي الإيجابي يساعد في تخفيف الألم
الجسدي" خلصت إلى أن الأشخاص الذين تبرعوا أو تطوعوا، أفادوا بانخفاض تأثير
الألم على حياتهم خلال فترة متابعة امتدت لعشر سنوات، مقارنة بالأشخاص الذين لم
يتطوعوا أو يتبرعوا، وأن الأشخاص الذين جمعوا بين التطوع والتبرع كانوا أقل ألمًا
جسديًّا مقارنة بالآخرين.
وفي
دراسة قامت بها جامعة "أوهايو" الأمريكية تم تشجع الذين يعانون من
الاكتئاب والقلق للانخراط في أعمال الخير والأنشطة الاجتماعية، وحققت تلك المشاركة
نتائج إيجابية؛ لذا اعتبروا أن فعل الخير قد يكون أكثر فعالية من تقنيات العلاج
السلوكي السائدة، أما الذين يعانون الاكتئاب، فإن فعل الخير صرفهم عن التفكير في
ذواتهم، وصرف انتباههم عما يعانونه من القلق والتوتر، وهو ما ساهم في تحسين صحتهم
النفسية والبدنية.
تشير
الدراسات إلى أن التركيز المفرط على الذات يؤدي إلى تنامي مشاعر القلق والتوتر؛
فالفرد الذي ينشغل بمعاناة نفسه تزيد مشاعره السلبية، حيث يؤدي التركيز المزمن على
الذات إلى تفاقم صعوبات الأداء الاجتماعي، أما تقليل هذا التركيز فإنه قد يساهم في
تحسين التواصل الاجتماعي والرفاهية، وفي الغالب فإن القيام بأعمال الخير يُقلل من
التركيز المفرط على الذات، وقد يُحسّن التواصل الاجتماعي وجوانب أخرى من الرفاهية.
وختاما
أخي الكريم، فقد نبهنا القرآن من قديم إلى أهمية فعل الخير، وأنه يعود بالنفع على
الإنسان ذاته، فقال تعالى في سورة الحج الآية (77) {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، يقول الإمام الرازي في تفسيره "مفاتيح الغيب"
في تفسير الآية: "فعل الخير ينقسم إلى خدمة المعبود، الذي هو عبارة عن
التعظيم لأمر الله، وإلى الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله ويدخل فيه
البر والمعروف والصدقة على الفقراء وحسن القول للناس، فكأنه سبحانه قال كلفتكم
بالصلاة بل كلفتكم بما هو أعم منها وهو العبادة بل كلفتكم بما هو أعم من العبادة
وهو فعل الخيرات".
موضوعات
ذات صلة:
عقلية السلطعون.. لماذا تكره الخير؟
هل يعيد فعل الخير تشكيل أفكارنا؟
كيف نظرت الفلسفة المادية لتطوير الذات؟