اشتريت شقة سكنية في مجمع حديث، وتفرض إدارة المجمع "رسوم صيانة شهرية إجبارية" لتنظيف الممرات وحراسة المبنى وتشغيل المصعد، وأنا أسكن في الطابق الأرضي ولا أستخدم المصعد مطلقاً، كما أنني أسافر طوال الصيف؛ فهل يجب عليّ شرعاً دفع هذه الرسوم كاملة أم يحق لي الامتناع عن دفع خدمات لم أنتفع بها حقيقة؟
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تتعلق
هذه المسألة بأحكام الملكية المشتركة في العقارات الحديثة كالعمارات والمجمعات
السكنية، وما يُعرف فقهًا بـ "أحكام العُلوِ والسُّفلِ" و"الانتفاع
بالمرافق المشتركة"، ومدى لزوم التكاليف المالية الصادرة عن إدارة العقار على
الشاغلين وسكان الطوابق الأرضية أو الغائبين.
اختصارًا:
قبل
البيان الشرعي، نُفرّق بين حالتين تتوقف عليهما العلة والحكم:
الحالة
الأولى: إذا
كانت رسوم الصيانة وبنودها بما فيها المصعد والحراسة معلومة وواضحة وقت التعاقد
ومذكورة في العقد أو الشروط واللوائح التابعة له، ووافقت عليها فيجب عليك شرعًا
دفع الرسوم كاملة، ولا يحق لك الامتناع أو الخصم مقابل عدم استخدام المصعد أو بسبب
السفر. فالالتزام بالشرط يُصيّر الرسوم جزءًا من العقد الملتزم به، ومجرد تمكينهم
لك من الانتفاع يستوجب الدفع ولو لم يحدث انتفاع فعلي، ولو كانت لك اعتراضات فيجب
البوح بها والتفاوض عليها قبل التعاقد.
الحالة
الثانية: إذا
كانت هذه الرسوم لم تُذكر في العقد، وفرضتها إدارة المجمع بعد التعاقد جَبْرًا
وبصورة منفردة دون شرط سابق أو اتفاق مسبق لا تجب عليك الرسوم بالصورة المفروضة،
ويحق لك المطالبة بإعادة تقديرها عبر اتحاد المالكين أو القضاء؛ إذ لا يجوز إلزام
شخص بمال لم يلتزم به في عقده، وتكون الصيانة في المرافق المشتركة من باب
"الأجزاء المشتركة" التي يُرجع فيها إلى القواعد العامة للشركة وسائر
المالكين بحسب شروط الاستحقاق والضرر الفعلي.
وتفصيلاً:
أولاً:
وجوب النفقة على العقار المشترك والتمكن من المنفعة الفقه القديم:
فرق
الفقهاء بين عدم الانتفاع الفعلي مع القدرة والتمكن، وبين الحقوق المشتركة في
الملك المترابط العلو والسفل: قال الإمام النووي الشافعي المتوفى: 676هـ في
"روضة الطالبين" 3/419: «وَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا أَوْ دَابَّةً
وَتَمَكَّنَ مِنَ الِانْتِفَاعِ، اسْتَقَرَّتِ الْأُجْرَةُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ،
سَوَاءٌ انْتَفَعَ أَمْ لَمْ يَنْتَفِعْ».
وقال
ابن قدامة المقدسي الحنبلي المتوفى: 620هـ في "المغني" 5/40 في أحكام
المرافق المشتركة بين العلو والسفل: «وَمَا كَانَ مِنْ المَرَافِقِ المَشْتَرَكَةِ
بَيْنَ أَهْلِ الدَّارِ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ
وَانْتِفَاعِهِمْ؛ لأَنَّ الغُرْمَ بِالغُنْمِ... فَإِنْ شَرَطُوا شَرْطاً
لَزِمَهُمْ الشَّرْطُ».
قال
الإمام السرخسي الحنفي المتوفى: 483هـ في "المبسوط" 15/22: «مَنْ
التَزَمَ شَرْطًا فِي عَقْدٍ لا يُخَالِفُ مُقْتَضَى العَقْدِ وَلا نَهَى عَنْهُ
الشَّارِعُ، لَزِمَهُ الوَفَاءُ بِهِ، وَالبَاذِلُ لِلْمَالِ مُلْتَزِمٌ لَهُ
بِرِضَاهُ».
وقال
في "منار السبيل": ويجبر الشريك على العمارة مع شريكه في الملك والوقف،
إذا انهدم جدارهما المشترك، أو سقفهما، أو خيف ضرره بسقوطه، فطلب أحدهما من الآخر
أن يعمره معه، وقال في الفروع: واختاره أصحابنا؛ لقوله ﷺ: (لا ضرر ولا ضرار). ولأنه إنفاق على ملك
مشترك، يزيل الضرر عنهما، فأجبر عليه.
وقال
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في المستدرك على مجموع الفتاوى: وإذا احتاج الملك المشترك إلى عمارة لا بد منها. فعلى أحد الشريكين أن
يعمر مع شريكه إذا طلب ذلك منه، في أصح قولي العلماء. اهـ.
ثانيًا:
التكييف الفقهي الحديث لنظام المجمعات والملكية المشتركة في ظل الفتاوى المعاصرة:
أعمال
الصيانة والأمن ونحوها من الأشياء التي تدفع الضرر عن جميع الملاك، وينتفعون بها
في مثل هذه المجمعات السكنية؛ فتوزع عليهم جميعًا. أما مقدار هذه الرسوم، ومن يحق
له الموافقة عليها، فهذا مرده إلى العقود والقانون المنظم لهذا المجمع السكني.
والأصل وجوب الوفاء بالعقود، والتزام الشروط المرعية.
يقول
الشيخ عطية لاشين عضو لجنة الفتوى بالأزهر: "إن السكنى في مثل هذه العمارات
لا تكون على الوجه الاكمل إلا إذا تعاون جميع السكان بدفع المبلغ المتفق عليه لكي
يتم منه الصيانة من العمارة بدفع تكاليف مائها وبصيانة مصاعدها وتوفير أجرة من
يقوم بحراستها وإنارتها فذلك كله مرافق عامة مشتركة ينتفع بها السكان جميعًا، ولا بد
أن يتعاون الجميع
فإذا تخلف واحد عن دفع هذا المبلغ كان عدم دفعه لهذا المبلغ حرامًا لأنه ينتفع من
مال غيره بغير إذنه ويحل نفسه من استهلاك المياه الذي دفع ثمن استهلاكها غيره،
ويحل نفسه من استعمال المصعد الذي شارك في صيانته غيره، ويحل نفسه من استهلاك
الكهرباء العامة للعمارة فيسير في ضوئها وقد دفع تكاليف ذلك غيره، فبأي وجه يستحل
به المرء ذلك؟
القواعد الفقهية الحاكمة في التهرب من مصاريف الصيانة الإجبارية:
قاعدة:
«المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ»
إذا
علم المشتري برسوم الصيانة ومرافقها وقت الشراء وتوقيع العقد، أصبحت هذه الشروط
ملزمة له شرعاً ولا يسقطها عدم الانتفاع بها.
قاعدة:
«الغُرْمُ بِالغُنْمِ» أو: الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ
المالك
يغنم من الخدمات العامة التي ترفع قيمة عقاره ككل كالنظافة، والحراسة، وجودة
المبنى وصيانة المصاعد، فيتحمل غُرْمَها وتكاليفها الشائعة بحسب التزامه.
قاعدة:
«التَّمَكُّنُ مِنَ الِانْتِفَاعِ يُقَامُ مَقَامَ الِانْتِفَاعِ الفِعْلِيِّ»
السفر
أو عدم استخدام المصعد خيار شخصي للمالك، طالما أن الخدمة قائمة ومتاحة له،
واستحقاق البذل يرتبط بإتاحة الخدمة لا بفعل المستخدم.
قاعدة:
«لا يَجُوزُ لأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ أَحَدٍ إِلا بِحَقٍّ»
فلا
يحق لإدارة العقار فرض رسوم جديدة أو إضافية مجحفة لم يلتزم بها المالك وقت الشراء
ولم يقرها الملاك إلا بالتوافق والرضا. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: