<p>أنا رجل في الأربعينيات من عمري، اتربيت في أسرة فقيرة في واحدة من قرى الصعيد. أبويا كان عامل بسيط، وكنا عدد كبير من الإخوة والأخوات. عشت سنين طويلة بكافح عشان أكمل تعليمي، لحد ما اتخرجت من كلية نظرية. وبعدها اتجوزت في شقة متواضعة، وفي سن متأخر نسبيًا، بسبب ظروفي المادية الصعبة. لحد ما ربنا كرمني بالسفر لإحدى الدول العربية، وكانت دي نقطة التحول الحقيقية في حياتي. </p><p>من أول مرتب قبضته، بدأت أبعت لأهلي نصف مرتبي كل شهر. كنت بساعد في سداد الديون، وتجهيز البنات للجواز، وقضاء احتياجات البيت والأسرة المختلفة. واستمر الموضوع ده سنين طويلة، لدرجة إني صرفت مئات الآلاف من الجنيهات عليهم . وعمري ما كنت شايف إن ده فضل مني على أهلي. كنت بعمله وأنا محتسب عند ربنا، وبقول لنفسي إن ده من بر الوالدين وصلة الرحم. </p><p>لكن للأسف، اللي كنت فاكره في البداية خير وبر، اتحول مع الوقت لأسوأ قرار أخدته في حياتي، وحصل شيء عمري ما كنت أتخيله. في البداية، كنت متوقع إن أهلي واخواتي هيقدّروا اللي عملته، ويحسوا بحجم التضحية اللي قدمتها من عمري، ومن غربتي، ومن فلوسي. لكن مع الوقت، حصل تغيير مؤلم جدًا. اللي كنت بقدمه من تضحية وعطاء، بدأ يتحول في نظرهم من "مساعدة" إلى "حق مكتسب". </p><p>بعد ما البنات اتجوزوا، والديون اتسدّت، بدأت ألاحظ حاجة غريبة. كل ما حد من أخواتي أو المحيط القريب كان عايز يعمل حاجة لنفسه—يفتح مشروع، يشتري أرض، يجوز ابنه أو بنته ، أو يحقق أي هدف من أهداف حياته—كان أول شخص يفكر فيه هو أنا. مرة يطلبوا سلفة، ومرة يطلبوا فلوس كعطية مش هترجع. ولما أعتذر وأقول إن ظروفي مش سامحة، وده فعلًا بيكون حقيقي، المعاملة بتتغير. يبدأ الزعل واللوم والعتاب، وأحيانًا الاتهامات بشكل مباشر أو غير مباشر.</p><p> فجأة بقيت في نظرهم أناني، وإنّي اتغيرت، وإنّي اتخليت عن أهلي، وإنّي مبقتش زي زمان. وكأن السنين اللي كنت ببعت فيها معظم دخلي عشانهم ماكانتش موجودة أصلًا. بل إن الموضوع وصل لدرجة إن أبويا طلب مني أدي شقة في بيتي لأخويا عشان يتجوز فيها. ولما رفضت، لأن عندي التزاماتي وبيتي وأسرتي وأولادي، اتقال لي إني ابن عاق وناكر للجميل.</p><p> والأسوأ من كده انه اخواتي بيخططوا يستولوا على الميراث لنفسهم بدون اعطائي أي شىء بحجة اني ميسور الحال ومش محتاج. هل أنا غلطت لما ساعدت أهلي ؟ هل عطائي الكتير، من غير ما أقصد، علّم الناس حواليا إنهم ياخدوا مني بشكل مستمر، لحد ما بقى مجرد إني أقول "لا" أو "مش قادر" يتفهم على إنه خيانة أو عقوق؟</p><p> أكتر حاجة بتوجعني إني اكتشفت متأخر إن الإنسان ممكن يضحي بكل حاجة عشان الناس اللي بيحبهم، وفي الآخر يكتشف إن بعض الناس مش بيفتكروا كل اللي عمله عشانهم، لكن بيفتكروا بس الحاجة اللي امتنع عن تقديمها. وبقيت حاسس إن اللي كنت فاكره حب وبر وصلة رحم، اتحول مع الوقت لعلاقة مشروطة بالعطاء. طول ما أنا بعطي، فأنا الابن والاخ المحب والكريم والجدع. وأول ما أقول "مش هقدر"، أبقى أناني وعاق وناكر للجميل.</p>
أخي
الكريم، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.. بقدر ما
تبدو رسالتك مؤلمة بقدر ما هي للأسف متكررة.. العطاء غير المقدر والعطاء الذي يتم
اعتباره واجبا أو حقًّا مكتسبًا.. ما يطلق عليه "العشم" الزائد غير
المبرر.. عدم تقدير العطاء ولو بالشكر والامتنان بل مقابلته بهل من مزيد؟ مشكلة
حقيقية يعاني منها الشخص الذي يعطي ويكرم ويهتم وأنت كنت واحدًا منهم وستظل بمشيئة
الرحمن.
أنواع
من العطاء
دعنا
نفرق أخي الكريم بين نوعين من العطاء:
النوع
الأول: هو عطاء مَن هو بحاجة لهذا العطاء كما فعلت أنت مع تسديد ديون عائلتك وسد
احتياجاتهم وتجهيز أخواتك البنات. وهذا النوع من العطاء له قيمة كبيرة وبه يتم
اجتياز العقبات الكبرى {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا
الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ *
يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ}.
النوع
الثاني: هو عطاء من يستطيع تسديد احتياجاته بنفسه أو من يسعى وراء أمور ليست
احتياجات حياتية أساسية ويرى أنك مصدر مفتوح للتمويل.. وهذا النوع يخضع للتقييم
الذاتي فقد يكون الإنسان ثريًّا لديه فائض كبير من المال فيصل رحمه ببعض المال رغم
عدم احتياجهم ولكنه يعطي كهدية وتأليف للقلوب ونحو ذلك.. وقد يرى الإنسان أن
الفائض المالي معه لا يتسع لهذا النوع من العطاء فيرفضه، وقد يرى وراءه طمعًا
فيرفضه، وقد يرى وراءه مشاعر سلبية من الغيرة والحسد فيرفضه.
وقد
يحدث أن يقدم الإنسان عطاء من النوع الأول ثم يرفض تقديم عطاء من النوع الثاني كما
فعلت أنت فيفاجئ برد فعل صادم.. يجد نفسه يحرم من دائرته العائلية القريبة التي
بذل جهدًا وعمرًا لإصلاح أحوالها والارتقاء بها.. يفقد مشاعر الحب التي كانت في
العيون.. يحرم الكلمات الحانية.. يحرم من الترحيب به.. يحرم من التقدير الذي كان
يحاط به.. والأسوأ من ذلك إن عاتبهم على الفتور يجد أنه تحول لمتهم ويتم الحكم
عليه بأنه أناني لأنه اختار مثلا أن يقيم مشروعًا لابنه بدلا من أن يقيم مشروعًا
لابن أخيه.. أن يجد والده يتهمه بالعقوق لأنه لم يخصص شقة لأخيه في بيته وكأنه يجب
عليه ذلك..
أخي
الكريم، أظن أن والدك حدث عنده اختلاط في الأمور فاعتبر مالك ماله على سبيل
الحقيقة، وبما أنه ماله فهو لا يكفي أن يأخذ منه ما يحتاجه فقط بل يحكم فيه ويعطي
لابنه الآخر شقة ويترك لك بقية البيت! فإذا اعترضت أصبحت ابنًا عاقًّا، وهو أمر
شاق على نفسك ولا شك خاصة بعد أن بذلت كثيرًا من الجهد والمال حتى يراك والدك في
صورة الابن البار.
ما
هو الحل؟
أخي
الكريم، الله سبحانه وتعالى شاهد على كل ما يحدث وهو شاهد على عطائك وبذلك وكرمك
ويعلم نواياك، وأنت أعطيت ما أعطيت وقدمت ما قدمت من أجل رضا الله عز وجل في
المقام الأول، فلا تبتئس برد فعلهم، ولتكن القاعدة التي تحكم المسألة في
عقلك {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً
وَلا شُكُورًا}، وكما قال مجاهد وسعيد بن جبير في تفسير هذه الآية (أما والله ما
قالوه بألسنتهم، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب).
فانظر
لقلبك فإن الله مطلع عليه.. النفس الإنسانية تأنس بالتقدير.. تأنس بالعطاء
المتبادل.. تأنس بالكلمة الطيبة التي تقدر نيتها الخيرة وعملها الصالح، لكن إذا لم
تجد هذا لا تشعر بالندم على ما أعطت وقدمت، فحسبها أن الله كان شاهدا على ذلك.
ومن
الأمور العملية التي تساعدك على تقليل الفجوة التي حدثت حتى إن لم يكن لك يد فيها
أن تسدد وتقارب.. هناك شقة خالية في بيتك قم بتأجيرها لأخيك لمدة محددة بسعر أقل
من السوق، أو حتى دون أن تأخذ منه الإيجار لمدة محددة حتى يسدد ديون الزواج مثلاً،
وأخبره من البداية أنك ستحتاج هذه الشقة لاحقًا بعد مده تذكرها حتى يستطيع أن يرتب
أحواله ويقدم في تلك المشروعات التي تبنيها الدولة للشباب ونحو ذلك.. وتلطف مع
والدك بالكلام فهو يتعرض لضغوط شديدة من بقية إخوتك.
يمكنك
أن تبادر بأنه لا يوجد لديك سيولة لأن بناء البيت استهلك مالك قبل أن يبادر
الآخرون بطلب المال.. بالتأكيد لا أطالبك أن تكون مدمن شكوى ولكن بعض الشكوى
الموجهة والصادقة قد يقلل من مساحات الطلب ويقطع الطريق عليها وربما يقلل من مشاعر
الحسد وتكسبك تعاطف الوالد...
غيّر
منهجك قليلاً في التعامل فبدلاً من صورة الرجل الذي يملك المال لكنه يرفض المساعدة
(غير الضرورية).. قدّم صورة الرجل الذي لا يملك المال والذي تغيرت ظروفه دون
أن تكذب فيمكنك استثمار سيولتك المالية في أي صندوق أو شراء أي عقار دون أن تخبرهم
شيئًا.. حتى والدك لا يلزم لبره أن تخبره عن أسرارك المالية، وبالتالي تكون صادقًا
عندما تقول ليس معي ما يكفي من مال.. تكرار ذلك سيجعلهم يتوقفون عن سؤالك.
ليس
من حق إخوتك بالطبع منعك عن ميراثك مهما كنت تمتلك من مال، ولا بد أن تكون حازمًا
إذا تحدث أحدهم أمامك بهذا الكلام، فإلى شرع يحتكمون؟
أعرف
أن هذا كلام ثقيل على النفس، ولكن أريدك أن تحتفظ بقلبك نقيًّا رغم هذا الكلام
وتجعل من موقف نبي الله يوسف من إخوته وعفوه عنهم رغم شدة الإيذاء الذي تعرض له
قدوة لك في التعامل مع إخوتك.. يسر الله أمرك وأصلح أحوالك جميعًا، وتابعنا
بأخبارك دائمًا.
روابط
ذات صلة:
ماذا يفعل «المغترب» مع أهل يثقلونه بالمطالب المادية؟