أعمل في دولة أجنبية، واشتريت منزلاً بالتقسيط عن طريق بنك تجاري يفرض فائدة ثابتة قدرها 3%، علماً بأن إيجار المنازل في هذه المدينة مرتفع جداً ويعادل قسط البنك تماماً، ولا توجد أي بنوك إسلامية في هذه الدولة؛ فهل يعذر المغترب بشراء مسكنه عن طريق "التمويل الربوي" بناءً على حاجة السكن المُلحة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله
ورعاك أن هذه
الفتوى تتعلق ببيان حكم شراء المنازل عن طريق القروض البنكية التقليدية التي تفرض
فائدة ثابتة في المجتمعات والبلاد التي لا تتوفر فيها بنوك إسلامية، وتستند الفتوى
إلى بحث القواعد الشرعية الحاكمة للحالات التي تشتد فيها الحاجة إلى السكن الملائم
مع ارتفاع تكاليف الإيجار، لبيان مدى اعتبار تلك الظروف عذرًا مبيحًا للترخص،
وضوابط الأخذ بهذا الترخص دون التوسع فيه.
وأفضل
من يبحث ويجيب عن هذه القضية هو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، لمعايشته أحوال
الناس هناك، واطلاعه على كافة الظروف المحيطة، وفيما يلي إعادة ترتيب لمحتوى
فتواه.
فتوى
المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في شراء منزل بقرض ربوي في الغرب
نظر
المجلس في القضية التي عمت بها البلوى في أوروبا وفي بلاد الغرب كلها، وهي قضية
المنازل التي تشترى بقرض ربوي بواسطة البنوك التقليدية. وقد قدمت إلى المجلس عدة
أوراق في الموضوع ما بين مؤيد ومعارض، قرئت على المجلس، ثم ناقشها جميع الأعضاء
مناقشة مستفيضة، وانتهى بعدها المجلس بأغلبية أعضائه إلى إصدار هذا القرار.
اختصارًا:
الأصل
الشرعي: يؤكد
المجلس على حرمة الربا وأنه من الكبائر والموبقات، وأن فوائد البنوك هي الربا
الحرام، ويدعو المسلمين والتجمعات في الغرب إلى البحث عن البدائل الشرعية
كالمرابحة والبيع بالتقسيط والتفاوض مع البنوك لإيجاد صيغ حلال.
حكم
الحالة المعروضة: إذا لم تتيسر البدائل الشرعية، فإن المجلس لا
يرى بأسًا من اللجوء إلى القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكناه هو
وأسرته.
شروط
الجواز:
· أن يكون المسكن لحاجته الخاصة وسكناه هو وأسرته.
· ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه.
· ألا يكون عنده من فائض المال ما يمكنه من شرائه
بغير هذه الوسيلة.
· عدم تملك البيوت للتجارة أو الاستثمار بهذا
القرض.
وتفصيلاً:
اعتمد
المجلس في فتواه بالجواز عند عدم تيسر البدائل على مرتكزين أساسيين:
المرتكز
الأول: قاعدة الضرورات تبيح المحظورات كما في
قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا
اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]، وتنزيل الحاجة منزلة الضرورة، وقد قرر
الفقهاء أن الحاجة عامة كانت أم خاصة تنزل منزلة الضرورة؛ والحاجة هي التي يكون
المسلم بعدم تحققها في حرج، والله قد رفع الحرج عن هذه الأمة بقوله: {وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].
المسكن
الملائم: هو
المسكن المناسب للمسلم في موقعه وسعته ومرافقه، والمسكن المستأجر في كثير من
الأحيان لا يلبي كامل حاجة المسلم ولا يشعره بالأمان، ويكلفه أموالاً باهظة دون
تملك، ويجعله عرضة للطرد أو الضائقة عند كبر السن أو انقطاع الدخل.
المصلحة
الفردية والجماعية: التملك يوفر الاستقرار، ويكفي
المسلم الهم، ويسهل السكن قرب المساجد والمدارس الإسلامية لبناء مجتمع مسلم
متقارب، كما يحرر الأقلية المسلمة من الضغوط الاقتصادية لتتفرغ للدعوة وخدمة
المجتمع.
المرتكز
الثاني: مذهب الحنفية ومن وافقهم في التعامل بغير دار الإسلام
وهو
ما ذهب إليه أبو حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني، وسفيان الثوري، وإبراهيم النخعي،
ورواية عن أحمد رجحها ابن تيمية، من جواز التعامل بالربا والعقود الفاسدة بين
المسلمين وغيرهم في غير دار الإسلام، وتتأكد بشرط تحقق المنفعة للمسلم وعدم الغدر.
علل
الترجيح لهذا المذهب:
المسلم
غير مكلف بإقامة الأحكام المدنية والمالية والنظام العام في مجتمع لا يؤمن
بالإسلام لعدم وسعه ذلك، وإنما يطالب بإقامة الأحكام الخاصة به فردًا كالعبادات
والأحوال الشخصية.
كما
أن ترك التعامل بهذه العقود يؤدي إلى ضعف المسلم اقتصاديًّا وخسارته ماليًّا،
والإسلام يقوي المسلم ولا يضعفه؛ لحديث: «الإسلام يزيد ولا ينقص» وحديث: «الإسلام
يعلو ولا يعلى».
المسلم
هنا هو المستفيد حقيقة لتملكه المنزل في النهاية؛ ولأن الأقساط تعادل أو تقل عن
الإيجار السائد.
والمسلم
هنا يُؤكل الربا ولا يأكله أي يعطي الفائدة ولا يأخذها؛ والتحريم الأصلي ينصب على
أكل الربا لذاته فلا يباح إلا للضرورة، أما إعطاء الفائدة فحرم لسد الذريعة، وما
حرم لسد الذريعة يباح للحاجة.
القواعد
الفقهية الحاكمة في شراء المسلم منزل بقرض ربوي في الغرب:
قاعدة:
الضرورات تبيح المحظورات.
قاعدة:
الحاجة تنزل منزلة الضرورة، خاصة كانت أو عامة.
قاعدة:
ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها، ولذلك لم يجَز تملك البيوت للتجارة
قاعدة:
ما حُرِّم لذاته لا يباح إلا للضرورة، وما حُرِّم لسد الذريعة يباح للحاجة، حيث إن
أكل الربا محرم لذاته، وإيكاله محرم لسد الذريعة فيباح للحاجة. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة: