حكم إخراج المستأجر وفسخ عقده.. الشروط والضوابط

توفي والدي وترك لنا بناية قديمة، وأراد إخوتي بيعها لشراء بيوت مستقلة، لكن البناية مؤجرة بالكامل وعقود المستأجرين مستمرة شرعًا، فإذا بعناها وهي مسكونة سينخفض سعرها للنصف؛ فهل يحق لنا شرعًا فسخ عقود الإيجار وإخراج المستأجرين لحاجتنا إلى تسييل التركة وقسمة الميراث؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن عقد الإجارة من عقود المعاوضات اللازمة التي يترتب عليها انتقال منفعة العين المؤجرة للمستأجر مقابل العوض وهو الأجرة، والأصل الشرعي فيها وجوب الوفاء بالعقود والتعهدات، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (المائدة: 1).

 

اختصارًا: لا يحق للورثة شرعًا فسخ عقود الإيجار القائمة ولا إخراج المستأجرين قبل انتهاء مدتها المحددة شرعًا أو قانونًا لمجرد الرغبة في تسييل التركة أو بيع البناية بسعر أعلى؛ إذ إن عقد الإيجار لا ينفسخ بموت المؤجر عند جمهور الفقهاء، وتنتقل التزاماته إلى التركة والورثة. وأمام الورثة حلول شرعية بديلة منها: بيع البناية على حالها مؤجرة مع إعلام المشتري، أو الانتظار حتى انتهاء مدة العقود، أو التوصل إلى اتفاق مع المستأجرين على فسخ العقد بالتراضي مقابل عوض مالِي.

 

وقد يستثنى من هذا، ما فرضته القوانين فرضًا دون رضا أصحاب الأملاك، وقد تسبب في ظلم كثير متراكم، يحتاج إلى سنوات لعلاجه، والله المستعان.

 

وتفصيلاً:

 

ذهب جمهور العلماء إلى أن الإجارة عقد لازم لا ينفسخ بموت المؤجر ولا بوفاة المستأجر، وتستمر المنفعة للمستأجر إلى انتهاء المدة، وتنتقل الملكية للورثة "مسلوبة المنفعة" خلال مدة العقد.

 

ويرى الأحناف أن الإجارة تنفسخ بموت أحد المتعاقدين إذا عقدها لنفسه، كما يجوز عندهم الفسخ بالأعذار الطارئة كالدّيْن المحيط. إلا أن هذا القول لم تأخذ به دور الإفتاء المعاصرة لعدم ملاءمته لمعاملات العصر ولما يسببه من اضطراب في المعاملات وحقوق السكن.

 

قال ابن قدامة في المغني: وَإِذَا مَاتَ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي أَوْ أَحَدُهُمَا فَالإِجَارَةُ بِحَالِهَا، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ، وَالْبَتِّيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.

 

وجاء في الموسوعة الفقهية تحت مسألة توريث الانتفاع ما يلي: إِذَا كَانَ سَبَبُ الانْتِفَاعِ الإِجَارَةَ أَوِ الْوَصِيَّةَ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ـ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ـ إِلَى أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْرِيثَ، فَالإِجَارَةُ لا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الشَّخْصِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الانْتِفَاعِ بِهَا إِلَى أَنْ تَنْتَهِيَ الْمُدَّةُ، أَوْ تُفْسَخَ الإِجَارَةُ بِأَسْبَابٍ أُخْرَى، لأَنَّ الإِجَارَةَ عَقْدٌ لازِمٌ، فَلا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ مَعَ سَلامَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، إِلا أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِنْ مَاتَ الْمُكْتَرِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ تَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في إخراج المستأجر وفسخ عقده:

 

"الأصل في العقود اللزوم": العقد الصحيح اللازم لا يملك أحد الطرفين فسخه أو إبطاله بإرادته المنفردة إلا بموجب شرعي أو بتراضي الطرفين.

 

"الضرر لا يُزال بضرر مثله": لا يجوز رفع الضرر عن الورثة المتمثل في انخفاض سعر البناية عند بيعها مؤجرة بإلحاق الضرر بالمستأجرين وطردهم خلافًا للعقد والشرع.

 

"الحق القديم لا يبطله الحق الحادث": حق المستأجر في منفعة العين استقر ثبوته بعقد صحيح في حياة المورث، فلا يبطله حق الورثة الحادث في قسمة التركة وتسييلها.

 

"المسلمون على شروطهم": استنادًا لحديث النبي ﷺ عند أبي داود، فالوفاء بشروط العقد ومدته واجب شرعًا. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

القانون يسمح لي والشرع يمنعني.. فكيف أفعل؟

ماطل في دفع أجرة البيت فقطعت الخدمات عنه.. فهل أنا آثم؟