نلاحظ تكرار ظاهرة الزلازل في العالم.. فهل حقا تلك الزلازل تثير تساؤلات وجودية حول الحياة والموت والمصير؟
أخي الكريم،
الزلازل من أكثر الظواهر الكونية التي تدفع الإنسان لطرح الأسئلة الوجودية عن
الموت والحياة والمصير وعن القوة الخفية التي تحرك الكون وتمسك بمقادير الأمور،
ربما لأن الزلزال يحدث بطريقة مفاجئة وغير متوقعة، وأن وقته قصير للغاية لا يتجاوز
الثواني المعدودات، لكن ما يخلفه من دمار شيء مرعب.
في الآونة
الأخيرة شهدت مصر وإندونيسيا وكولومبيا وإسبانيا وإيطاليا زلازل متزامنة، أوقعت في
بعض البلاد مثل كولومبيا مئات القتلى، وأوقعت في إندونيسيا دمارًا كبيرًا وممتدًا،
ورغم أن ضحايا الكوارث الطبيعية الطبيعة هي الأقل في عدد الموتى، فحسب إحصاءات
لجامعة أكسفورد الشهيرة، فإن ضحايا الكوارث الطبيعية بما فيها الزلازل يقدر بـ(60)
ألفًا سنويًّا من أصل (7.2) مليون وفاة عالميًّا، أي أن تلك النسبة تقدر بـ0.1% من
الوفيات العالمية، وأن الزلازل تحتل نسبة قليلة من تلك الضحايا، لكن يبقى للزلازل
هزتها العنيفة ليس للأرض فقط ولكن للذات الإنسانية والعقل والتفكير.
الزلال وأسئلة
المصير
في دراسة بعنوان
"الزلازل والأفكار الدينية" ذكرت أن كثيرًا من النصوص الدينية تؤكد أن
هناك اعتقادًا قديمًا ومستمرًا أن الزلازل تنقل للبشر رسالات دينية صارمة، ويمكن
فهمها على أنها تحذيرات وعقاب كوني على ما اقترفه البشر من خطايا، أو إظهارٌ للقوة
والقدرة الإلهية على التحكم في مصائر الناس.
ومن هنا فالزلازل
حاضرة في السؤال الديني باستمرار وفي كافة الأديان، حتى الديانات الوضعية؛ ففي
دراسة نشرتها جامعة في جامعة كوبنهاجن الدنماركية عن الزلازل والدين، خلصت إلى أن
التدين يزداد بنسبة 7.6% في المناطق التي تعرضت لزلزال، مقارنة بالمناطق التي لم
تشهد الزلزال، وقالت الدراسة: "إن الأفراد في جميع أنحاء العالم يصبحون أكثر
تدينًا عندما تضربهم الزلازل، ويستمر تأثير أي زلزال من 6 - 12 عامًا، ولكن أثره
يبقى وينتقل عبر الأجيال"، وأن العواصف والأعاصير لا تملك نفس تأثير الزلزال
في زيادة التدين، والسبب أن الكوارث التي لا يمكن التنبؤ بها هي ذات التأثير
الأكبر على حالة التدين.
وفي دراسة أخرى
نشرت في مارس عام 2024م في مجلة Nature الشهيرة، وهي دورية بريطانية من أبرز الدوريات العلمية في العالم،
وفي تلك الدراسة التركية بعنوان "العلاقة بين تصورات مخاطر الزلازل، والتوجه
الديني"، واستنادًا إلى نتائج دراسات مماثلة، وجد أن الأفراد الذين يتمتعون
بمستوى منخفض من الرفاهة الروحية يُعانون بشكل متكرر من مشاكل في صحتهم النفسية،
ومشاعر اليأس، وفقدان المعنى في الحياة، والاكتئاب وغيرها، ومن ثم فإن الروحانية
يُمكن أن تزيد من قدرة الأفراد على الصمود في المواقف التي يكونون فيها عرضة
للخطر، مثل الكوارث ومنها الزلازل، كما أن الدعم الروحي يُعزز بشكل فعال قدرة
الناجين على الصمود من تلك الكوارث.
والمقصود
بالرفاهة الروحية هي حالة من السلام الداخلي والانسجام والتوازن، الذي يتحقق عندما
يجد الإنسان معنىً وهدفًا لحياته. يعتمد على القيم والمعتقدات والأخلاق التي تربط
الفرد بذاته وبالآخرين وبقوة أعظم أو بالكون.
وختامًا أخي
الكريم، الزلازل تطرح مفهوم الموت والمصير بجلاء أمام أعين الجميع، ففي المجتمعات
الحديثة، يلاحظ أن الموت يتخفى بعيدًا عن المستشفيات، أما مراسمه فتحاصرها جدران
القاعات، وهو ما يجعل الموت شأنًا خاصًّا ومنعزلاً إلى حد كبير، ولا يشعر به
المجتمع، الذي يراود بعضًا من أفراده حلمُ الخلود، ولكن مع الزلزال يطفو الموت على
الشاشات ويطل من تحت الأنقاض، وتبدو ملامح الخوف والهلع؛ لأن الموت لم تعد له
أسباب يمكن علاجها؛ بل أصبح قرارًا خارج الإرادة الإنسانية، وبصورة لا تستثني أحدًا،
وهو ما يُفقِد الإنسانَ الإحساسَ بالأمن.
أضف إلى ذلك أن
الزلازل تطرح فكرة الفناء غير المسبب، ومن ثم فهي لا تهدد الحياة فقط، ولكن تهدد
المعتقد الحداثي العلماني في تصوره عن الحياة والمصير.
موضوعات ذات صلة:
ما المقصود بغياب المعنى وتأثيره على الإنسان؟
هل يصلح الأدب أن يكون بابًا لليقين؟
لماذا تكثر الشكوك الوجودية في مرحلة الشباب؟
هل عالجت نظرية إدارة الرعب رهبة الإنسان للموت؟