<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أنا أمين عام لجمعية دعوية إقليمية تُعنى بنشر الوعي الإسلامي ورعاية الشباب الناشئ. أتوجه إليكم بهذه الاستشارة الحساسة حول تحدٍّ استراتيجي يهدد هوية واستقلال جمعيتنا؛ وهو وقوعنا تحت ما يمكن تسميته بـ "فخ التبعية والـتأثر بشروط الجهات المانحة".<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">المشكلة تكمن في أنه مع شح الموارد المالية الذاتية للجمعية وتصاعد التكاليف التشغيلية، أصبحنا نعتمد بشكل شبه كلي على تبرعات وتمويل من مؤسسات مانحة ورجال أعمال تفرض شروطًا وتوجهات محددة وصارمة لتقديم الدعم.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">للأسف، بدأت هذه الشروط تتدخل تدريجيًّا في صياغة "أولويات برامجنا الدعوية والتربوية"؛ حيث يُطلب منا تهميش برامج التأصيل الشرعي والبناء العقائدي والتزكوي، والتركيز بدلاً منها على مشاريع شكلية وإغاثية محضة، أو برامج ترفيهية سطحية تتوافق مع المعايير المعاصرة للمانحين. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">هذا الواقع أصاب برامجنا بالهزال الفكري والتربوي، وشعرنا بأننا نتحول من مؤسسة دعوية رسالية إلى مجرد أداة تنفيذية لأجندات المانحين التجارية أو الوجاهية. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">كيف يمكننا من خلال التخطيط الدعوي الاستراتيجي إدارة ملف التمويل المالي بذكاء واستقلالية؟ وكيف نحقق التوازن الدقيق بين تلبية احتياجات المانحين التنظيمية والحفاظ الصارم على أصالة ورسالة العمل التربوي الدعوي؟<o:p></o:p></span></p>
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبيَّاكم أيها الأمين الفاضل، وشكر الله لك هذا
التجرد والأمانة الدعوية الكبيرة في طرح هذا الملف الشائك الذي يعد من أبرز عوائق
العمل المؤسسي الإسلامي المعاصر؛ فإن الانتباه المبكر لمزلق "انحراف الرسالة
بفعل شروط التمويل" هو علامة نضج إداري ورغبة صادقة في حماية بركة وأصالة
الدعوة إلى الله سبحانه.
إنَّ الشريعة
الإسلامية الغراء قررت في قواعدها المحكمة أن "الوسائل تابعة للمقاصد"،
وأن أموال الدعوة وتبرعات المحسنين إنما شُرعت لتكون خادمة لنشر الدين، وتزكية
النفوس، وحماية ثوابت الأمة، وليست لفرض الهيمنة أو تغيير الحقائق؛ وتأمل المنهج
النبوي الشريف في بناء الاستقلال المالي للدعوة؛ فبالرغم من حاجة المسلمين الماسة
للمال في بداية العهد المدني، إلا أن النبي ﷺ كان يرفض أي دعم مالي أو عسكري مشروط
بمواقف تضعف رسالة الإسلام أو تقيد حركتها. وحين عرض بعض زعماء القبائل نصرته
مقابل أن يكون لهم الأمر من بعده، رفض ﷺ رفضًا قاطعًا وقال: «الأَمْرُ إِلَى
اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ».
إنَّ بقاء
المؤسسة الدعوية سيرة مرتهنة لشروط المانحين يؤول بها حتمًا إلى فقدان هويتها
وزوال أثرها التربوي الحقيقي في النفوس، ويحولها إلى واجهة شكلية تفتقد الروح
الإيمانية المؤثرة، والله تعالى يحذرنا من الركون لغير منهجه في قوله: ﴿وَأَنِ
احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ
وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتَنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
[المائدة: 49].
إنَّ التخطيط
الاستراتيجي الرشيد يفرض على المؤسسات الدعوية التوقف عن عقلية "الاستجداء
المالي العفوي" والانتقال فورًا إلى مربع "الاستقلال المالي التنموي
والاستثمار الدعوي المستدام"؛ فالمؤسسة التي لا تملك قوتها وتكاليفها
التشغيلية لا يمكنها الحفاظ على كامل حرية قرارها الدعوي والتربوي؛ والحل لا يكمن
في مقاطعة المانحين، بل في "إعادة صياغة العلاقة معهم" لتكون علاقة
شراكة وتكامل في الأجر والرسالة، لا علاقة تبعية وتوجيه فوقي، مع بناء مصادر تمويل
ذاتية تحمي الهيكل الأساسي للجمعية من أي ضغوط خارجية.
ومن
الناحية التطبيقية والعملية لعلاج هذه الأزمة التنظيمية في جمعيتكم، نوصي باتخاذ
القرارات التالية؛
أولاً:
إطلاق "وحدة الاستثمار والأوقاف الدعوية المستدامة" داخل الجمعية، تُعنى
بتأسيس مشاريع استثمارية صغيرة أو متوسطة (كعقارات، أو منصات تعليمية مدفوعة، أو
خدمات تخصصية) يُخصص ريعها بالكامل لتغطية الرواتب والتكاليف التشغيلية الثابتة
للجمعية، مما يمنحكم حصانة وقرارًا مستقلاً.
ثانيًا:
صياغة "وثيقة المعايير والسياسات التمويلية للجمعية" تُحدد بوضوح الخطوط
الحمراء التي لا تقبل الجمعية المساومة عليها في برامجها (كأصول العقيدة، والبناء
التربوي للصفوة)، وعرض هذه الوثيقة بذكاء واحترافية على المانحين ابتداءً، ليعلموا
أن دعمهم موجه لرسالة مستقرة واضحة.
ثالثًا:
تنويع مصادر التمويل وعدم الاعتماد على مانح كبير واحد؛ بل يتم تقسيم الميزانيات
على مساهمات صغيرة ومتعددة من عموم المجتمع والأفراد الثقات عبر مشاريع التمويل
الجماعي الرقمي، مما يفتت قوة الضغط والشرط الفردي ويوسع قاعدة الحاضنة المجتمعية
للجمعية.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
• لا تتردَّد في
الاعتذار بكل أدب واحترافية عن أي تمويل أو دعم مشروط بتعديل أو إلغاء برامج
تربوية أصيلة تؤمنون بأهميتها لحماية عقول الشباب؛ فالله هو الرزاق ذو القوة
المتين، والبركة في القليل المخلص خير من الكثير المشروط.
• اجتهد في
"تطوير الكفاءة التسويقية للجمعية"؛ من خلال تقديم تقارير أداء احترافية
ومبهرة تُبرز للمانحين أهمية البرامج التزكوية والشرعية وأثرها في تحصين الشباب من
الانحراف، لتثبت لهم بالواقع أن هذا هو الاستثمار الحقيقي لأموالهم.
• اعقد لقاءات
دورية وتوعوية مع الداعمين والوجهاء لرفع وعيهم بفقه الأوقاف والتمويل الدعوي
الرسالي، وتبصيرهم بأن دورهم هو الدعم والتمكين لا التوجيه والفرض الإداري.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش الكريم، أن يفتح لكم خزائن فضله ورحمته، وأن يرزق جمعيتكم
الاستقلال والبركة والسداد، وأن يعصمكم من الفتن ومطامع الدنيا، ويجعلكم هداة
مهتدين مقبولين أينما كنتم.
روابط ذات صلة:
كيف نوازن بين الجانب الإداري والعمق التربوي للمؤسسات؟
التخطيط الدعوي وإدارة الأولويات