توفي والدي وترك لنا أرضاً زراعية كبيرة، وبعد الوفاة تبين لنا أنه كان قد كتب هذه الأرض بالكامل لأختي الصغرى "حرماناً" لنا بسبب خلافات عائلية قديمة؛ فهل تنفذ هذه الورقة شرعاً ونُحرم نحن بقية الورثة من حقنا، أم أن تصرفه هذا باطل ويعاد تقسيم الأرض إرثاً؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، صفة أصيلة في
الإنسان كل الإنسان أنه أسير المعاملة، وفي غالب الأحوال فإن الوالد لم يعمد إلى
هذا التصرف دون مبرر عقلي ومنطقي، والأصل أن مال الإنسان حال حياته وصحته هو ملك
خالص له، يملك تصرفه فيه بما أذن فيه الشرع الشريف، غير أن الشريعة الإسلامية كما
دعت إلى احترام ملكية الفرد وحرية تصرفه، وضعت أصولاً مرعية لضمان العدل بين
الأسرة الواحدة، ومنع مفسدة الضغائن والإضرار بالورثة.
وقد قسّم الله تعالى التركات بنفسه في كتابه الكريم قسمة
حاسمة، ولم يكلها إلى أهواء النفوس.
وفي هذه المسألة تتداخل مفاهيم شرعية وأخرى قانونية
دقيقة تستوجب التفصيل والتمييز بين الوصية والبيع الصوري والهبة الناجزة، وبين
الحكم القضائي الظاهر والتكليف الديني الشرعي، مع مراعاة حق الوالد في ماله وأيضًا
علاقته بالبر والعقوق.
اختصارًا: التكييف الشرعي لهذه المسألة يتحدد بناءً على طبيعة الورقة المحررة والباعث
عليها، فإن كانت الورقة وصية مضافة لما بعد الموت أو بيعًا صوريًّا حقيقته وصية،
فهي باطلة وموقوفة شرعًا لا تنفذ في حق بقية الورثة إلا بإجازتهم ورضاهم؛ لأنه «لا
وصية لوارث»، وفي القضاء أيضا إذا ثبتت صوريتها أبطلت وتُرد الأرض تركة تُقسم
بالميراث الشرعي.
أما إن كانت هبة ناجزة أو بيعًا حقيقيًّا تمت حوزته
واستيفاؤه حال حياة الأب وصحته، فمن حيث القضاء فهي نافذة ظاهرًا وتثبت ملكيتها
للبنت؛ لأن القضاء يحكم بالظواهر والعقود الناجزة حال الصحة.
وديانة: فإن كان الباعث "قصد الحرمان
والإضرار": فالأب آثم إثمًا كبيرًا بجوره، ويُشرع للبنت ديانةً والتزاماً
بالبر ألا تقبل هذا الجور وأن ترد الأرض إلى التركة للتصالح مع إخوانها تخيفا عن
أبيها.
أما إن كان للأب مسوغ شرعي كأن كان بقية الأبناء عاقين
والبنت وحدها تبر أباها وترعاه فيجوز للأب تخصيصها وتعويضها بقدر برها وحاجتها حال
حياته، ويتطابق تصرفه مع قواعد العدل والمكافأة دون إثم، غير أن استيعاب المال
كاملاً وحرمان الجميع يظل محل منع وإثم عند جمهور أهل العلم لمنافاته مقصد الشريعة
في العدل.
وتفصيلاً:
أولاً: حكم الوصية والبيع الصوري للوارث
اتفق الفقهاء قديمًا وحديثًا على أن تصرف المريض أو
الصحيح المضاف لما بعد الموت للوارث لا ينفذ إلا بإجازة بقية الورثة، وأن العبرة
في العقود بالمقاصد لا بالصورة.
قال الإمام ابن قدامة الحنبلي - رحمه الله - في المغني:
«أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّ
الوَصِيَّةَ لِلوَارِثِ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يَأْذَنَ وُرَّاثُ المَيِّتِ...
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلاَ
وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».
مجمع الفقه الدولي قرار رقم 109 (3/12)
قرر المجمع أن أي تصرف مالي (كالبيع الصوري أو الهبة
المستترة) الصادر من المورث لأحد ورثته بقصد محاباته أو تخصيصه بالمال بعد الموت
أو تفويت حق بقية الورثة، يُعامل معاملة الوصية للوارث، وتطبق عليه أحكامها؛ فلا
ينفذ شرعاً إلا بإجازة ورضاء باقي الورثة الراشدين.
ثانياً: حكم حرمان الأولاد بين الديانة والقضاء
ميّز العلماء بين نفوذ التصرف في ظاهر القضاء وبين حكمه
التكليفي أمام الله الديانة:
رأي جمهور العلماء الحنفية والمالكية والشافعية في كتابة
المال لشخص واحد من الورثة:
قضاءً، فالهبة الناجزة من الصحيح في ماله تنفذ وتملكها
الموهوب لها، أما ديانةً فيحرُم أو يكره جَوْرُ الأب وتفضيله لبعض ولده أو حرمانهم
بغير مسوغ، ويأثم الأب بفعله أمام الله تعالى.
قال الإمام النووي الشافعي - رحمه الله - في روضة
الطالبين: «يُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأَوْلاَدِ فِي العَطِيَّةِ...
فَإِنْ فَاضَلَ أَوْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِلاَ سَبَبٍ كُرِهَ، وَوَقَعَتِ الهَبَةُ
وَمَلَكَهَا المَوْهُوبُ لَهُ».
رأي الحنابلة وطائفة من المتقدمين كابن تيمية وابن القيم في كتابة الميراث لفرد واحد وحرمان الباقي:
التفضيل لغير مسوغ حرام ويجب رده، استناداً لحديث
النعمان بن بشير الصحيح: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلاَدِكُمْ»
رواه البخاري ومسلم، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في الفتاوى الكبرى:
«لَيْسَ لِلْوَالِدِ أَنْ يُفَضِّلَ بَعْضَ أَوْلاَدِهِ عَلَى بَعْضٍ فِي
العَطِيَّةِ لِغَيْرِ سَبَبٍ شَرِعِيٍّ... فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِالعَطِيَّةِ
لِحِرْمَانِ الآخَرِينَ أَوْ لِغَيْرِ سَبَبٍ شَرِعِيٍّ كَانَ حَرَامًا، وَوَجَبَ
عَلَيْهِ وَعَلَى المَوْهُوبِ لَهُ الرَّدُّ».
ثالثا: مراعاة حق الأب والاعتبار بالمسوغ الشرعي البر
والعقوق
للوالد حق أصيل في مال نفسه، وقد أجاز الفقهاء تخصيص بعض
الأبناء أو زيادة عطائهم حال الحياة إذا وجد سبب يقتضي ذلك دون قصد الإضرار، قال
الإمام ابن قدامة - رحمه الله - في المغني: «فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ لِمَعْنًى
يَقْتَضِي خَصَّهُ؛ لِحَاجَتِهِ، أَوْ زَمانَتِهِ، أَوْ عَمَاهُ، أَوْ لِكِثْرَةِ
عَائِلَتِهِ، أَوْ زَهَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا، أَوْ صَرِفِ عَنَايَتِهِ عَنْ
العِلْمِ، أَوْ لِكَوْنِهِ بَارّاً بِوَالِدِهِ دُونَ غَيْرِهِ... جَازَ».
حتى لو افترضنا وجود البر من البنت والعقوق من الأبناء،
فقد قرر أهل العلم أن مكافأة البار تكون بما يناسب برها وحاجتها، أما استيعاب
التركة كلها وحرمان باقي الأولاد كليًا بدافع الغيظ أو العقوق، فهو مجاوزة لمفهوم
العدل والاحتياط للحقوق؛ لأن العقوق معصية يعاقب الله عليها، لكنها لا تسقط نسب
الولد ولا تلغي أصل استحقاقه في الميراث بعد وفاة والده.
القواعد الفقهية الحاكمة في كتابة
الميراث لفرد واحد وحرمان الباقي
قاعدة: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»
تَبطل أي وثيقة أو وصية تصدر من الأب مضافة لما بعد
الموت لصالح البنت دون موافقة بقية الورثة.
قاعدة: «العِبْرَةُ فِي العُقُودِ لِلْمَقَاصِدِ
وَالمَعَانِي لاَ لِلأَلْفَاظِ وَالمَبَانِي»
العقود الصورية، كالبيع الصوري المكتوب للوارث
لتمرير المال بعد الموت تُعامل معاملة الوصية ولا يُلتفت لاسم البيع الظاهر.
قاعدة: «الضَّرَرُ يُزَالُ» و«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»
تحرم تصرفات المورث التي تُبنى على قصد الإضرار بالورثة
وحرمانهم؛ لأن الضرر منتفٍ شرعاً.
قاعدة: «يُثْبَتُ قَضَاءً مَا لَا يُثْبَتُ دِيَانَةً»
التفريق بين القضاء والديانة
عقود التصرف الناجزة حال الصحة تثبت بظاهر القانون
والقضاء لحماية استقرار العقود، لكنها بين العبد وبين ربه ديانة تبطل وتوجب الإثم
إن كانت مبنية على الجور وحرمان الحقوق. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة:
كتابة التركة للبنات خوفًا من ميراث أعمامهم!
حرمان الورثة من الحقوق في الميراث بسبب العقوق
الهبة حال الحياة تصرف مشروع أم تعد آثم؟
أمي أوصت لي بالذهب.. فهل يجوز أخذه؟