المواد الغذائية المعدلة جينيًّا بالهندسة الوراثية.. شروط المنع والإباحة

<p>&nbsp;السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. انتشرت في الفترة الأخيرة منتجات غذائية ولحوم يُقال إنها "محوَّرة وراثيًا"، ويذكر المصنعون أنها أكثر مقاومة للأمراض، وأفضل من حيث الجودة والإنتاج، وأنها نتجت عن تقنيات الهندسة الوراثية. لكنني أصبحت في حيرة من أمري، ولا أعرف الحكم الشرعي في تناول هذه المنتجات، خاصة أن بعض الناس يحذر منها، بينما يرى آخرون أنها لا تختلف عن غيرها ما دامت آمنة.</p><p> لذلك أرجو من فضيلتكم بيان الحكم الشرعي في المسائل الآتية: هل يجوز للمسلم تناول اللحوم أو المنتجات الغذائية المحوَّرة وراثيًا؟ وهل يختلف الحكم إذا كان التحوير قد تم باستخدام جينات مأخوذة من حيوان لا يحل أكله؟ وهل يشترط التأكد من سلامة هذه المنتجات صحيًا قبل استهلاكها؟ وهل يجب على الشركات الإفصاح عن كون المنتج محوَّرًا وراثيًا حتى يكون المستهلك على بينة؟</p><p> أرجو منكم بيان الحكم الشرعي والضوابط التي ينبغي للمسلم مراعاتها عند شراء هذه المنتجات، وجزاكم الله خيرًا.</p>

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك، أن قضية الأغذية واللحوم "المحوَّرة وراثيًّا" المعدلة جينيًّا تُعد من النوازل الفقهية والطبية المعاصرة التي فرضتها التطورات المتسارعة في تقنيات الهندسة الوراثية. ولما كان الإسلام قد جاء بالتيسير وإباحة الطيبات وحفظ النفوس والأموال، فإن تكييف هذا النوع من الأغذية يستند إلى تحري النفع ودفع الضرر، والموازنة بين استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة والإنتاج الحيواني وبين الالتزام بضوابط الشريعة في طهارة الغذاء والشفافية في التعامل التجاري.

 

اختصارًا:

 

يجوز شرعًا تناول واستخلاص المنتجات والأغذية واللحوم المحورة وراثيًّا، والأصل فيها الإباحة إذا كانت تهدف إلى تحقيق مصلحة معتبرة كزيادة الإنتاج ومقاومة الأمراض.

 

ويشترط لجوازها أن تكون الجينات المستخدمة في التحوير مستمدة من مصادر مباحة شرعًا كنبات أو حيوان مأكول اللحم مذكى، أما إذا كان التحوير باستخدام جينات مستخرجة من حيوان محرم الأكل أصالة كالخنزير أو من ميتة غير مذكاة، فيحرم تناولها وتصنيعها.

 

كما يشترط شرعًا التأكد من سلامة هذه المنتجات طبيًّا وبيئيًّا؛ فإذا ثبت مخبريًّا أو بيئيًّا أنها تسبب ضررًا سواء لمستخدمها أو للبيئة التي تصنع فيها، حرم استهلاكها وتداولها عملاً بمبدأ دفع الضرر.

 

وأيضا يجب على الشركات المصنعة والمستوردة وضع بطاقة بيان جليّة تنص على كون المنتج محورًا وراثيًّا ومصدر الجينات المستخدمة؛ ضمانًا لحق المستهلك، ومنعًا للغش والتدليس المحرم في المعاملات.

 

أولاً: الأصول الشرعية والنصوص المعتمدة في الأطعمة والبيوع

 

نظراً لأن تقنية التحوير الوراثي تقنية معاصرة، فقد ضبط الفقهاء والمجامع الفقهية حكمها استناداً إلى النصوص الشرعية الكلية في الأطعمة والبيوع والوقاية من الضرر:

 

الدليل من القرآن الكريم في أصل إباحة الطيبات:

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168].

 

النص من السنة النبوية في أصل العفو والإباحة:

 

عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَرَّمَ حُرُماتٍ فَلا تَنْتَهِكُوها، وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها» أخرجه الدارقطني في سننه برقم 4396، وحسنه النووي.

 

النص من السنة النبوية في حرمة الغش ووجوب البيّنة في المبيع:

 

عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» رواه البخاري برقم 2079، ومسلم برقم 1532.

 

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» رواه مسلم برقم 101.

 

نص الإمام النووي في أصل الحل في الأطعمة: قال الإمام النووي في روضة الطالبين وعمدة المفتين طبعة المكتب الإسلامي، ج 3 ص 271، كتاب الأطعمة: «مَا يَتَأَتَّى أَكْلُهُ مِنَ الْجَمَادِ وَالْحَيَوَانِ، لَا يُمْكِنُ حَصْرُ أَنْوَاعِهِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ فِي الْجَمِيعِ الْحِلُّ،».

 

ثانيًا: القرارات الصادرة عن المجامع الفقهية المعاصرة في المواد الغذائية المعدلة جينيًّا بالهندسة الوراثية

 

توصيات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالتعاون مع مجمع الفقه الإسلامي الدولي:

 

جاء في التوصيات الختامية للندوة الثانية عشرة "الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني- 13 – 18 أكتوبر 1998:

 

«استخدام تقنيات الهندسة الوراثية في مجالات الزراعة وتربية الحيوان جائز شرعًا؛ لِمَا فيه من إفادة الإنسان وتحسين الإنتاج الغذائي، بشرط اتخاذ جميع الاحتياطات والتدابير لمنع حدوث أي أضرار بالصحة العامة للإنسان أو الحيوان أو البيئة... ولا يجوز استخدام جينات مستخرجة من أعيان محرمة كالخنزير والميتات لإدخالها في الأغذية إلا إذا ثبت استحالتها وتحولها الكامل بالمعالجة التقنية». انتهى بتصرف يسير

 

قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي:

 

«يجوز الاستفادة من الأغذية المعدلة جينياً وتداولها ما دامت تحقق مصلحة راجحة، مع التأكد التام من سلامتها الصحية عبر الفحوصات المختبرية المعتمدة لدى الجهات الرقابية الرسمية، ويجب إلزام المصنعين بتدوين ذلك بوضوح على البطاقات التعريفية للسلع؛ منعاً للتدليس ولضمان حق المستهلك في الاختيار المعرفي». ملخص القرار

 

القواعد الفقهية الحاكمة في المواد الغذائية المعدلة جينيًّا بالهندسة الوراثية

 

قاعدة: «الأصل في المنافع الإباحة، وفي المضار التحريم»

 

الأغذية والمنتجات المستحدثة عن طريق التقنيات الحديثة تندرج تحت أصل الإباحة والانتفاع ما لم يُثبت البحث العلمي والرقابي اشتمالها على أضرار صحية أو مواد نجسة محرمة.

 

قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار»

 

اشتراط الفحص الطبي والبيئي الشامل للمنتجات المحورة وراثيًّا قبل طرحها في الأسواق، فإذا أثبتت التقارير الطبية الموثوقة وجود آثار جانبية ضارة بالبدن أو السلالات، حَرُم استهلاكها منعاً لإلحاق الضرر بالمكلفين.

 

قاعدة: «التابع تابع» و«إذا زال المانع عاد الممنوع»

 

ينظر إلى مصدر الجين المنقول؛ فإن كان من مصدر طاهر ومباح تبع المنتج الأصل في الحِل، وإن كان من عين نجس محرمة كالخنزير ثبت مانع التحريم بالنسبة للغذاء المحور، ما لم يتحول الجين تحولاً كاملاً بالمعالجات العلمية.

 

قاعدة: «النهي عن الغش والتدليس»

 

تعيّن على الشركات التجارية والإدارة الرقابية الإفصاح الكامل في الملصقات المرفقة بالمنتج عن وجود التحوير الوراثي ومصدره؛ لأن كتمان هذه المعلومات يُعتبر كتمانًا لوصف جوهري في المبيع، والغش في المعاملات محرم شرعاً. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

بيع الأغذية المعدلة وراثيًّا وزيادة المواد الحافظة.. مهارة أم خسارة؟

الهندسة الوراثية.. حكمها وضوابط استعمالها