يؤذيني جسديًّا ونفسيًّا ويدّعي أنه عقاب شرعي!

<p>السلام عليكم ورحمة الله.. أنا متزوجة منذ عام، وما زلت في بداية حياتي الزوجية، في فترة الخطوبة، كانت طبيعتي العفوية وصراحتي في الردود تُقابَل من زوجي بالمزاح والتقبّل، لكن بعد الزواج تغير تعامله تمامًا، أصبح يمارس تجاهي عنفًا جسديًا عند وقوع أي خطأ، مهما كان بسيطًا.</p><p> يستخدم زوجي في ضربي أدوات مثل الحزام وعصًا خشبية مسطحة وطويلة، ومع استخدامه لهذه الأدوات، يصرّ على وصف هذا الفعل بأنه "ضرب شرعي" للتأديب، والحقيقة أن الألم يكون محتملًا ولا يترك أثرًا ظاهرًا، وهو لا يضرب بشكل عشوائي، وإنما يأمرني باتخاذ وضعيات مهينة قبل الضرب.</p><p> أما أهلي فيرفضون التدخل؛ لأنهم يعلمون أن أسلوبي حادٌّ نوعًا ما، ويرون أن ما يحدث مجرد رد فعل مني أنا مدركة أن طبيعتي في الردود قد تكون حادة أحيانًا، ولكنني أجد نفسي أمام واقع مؤلم ومخيف.</p><p>وأود الاستفسار عن الآتي: هل يعد هذا النمط من التعامل، المتمثل في الضرب بالأدوات، مقبولًا أو مشروعًا شرعًا كما يدّعي؟ كيف يمكن التعامل مع شريك يرى في العنف وسيلةً للانتقام؟</p><p> في ظل هذه الظروف، وبما أننا لم نُرزق بأطفال بعد، أجد نفسي أفكر بجدية في الانفصال؛ فهل تُعد هذه الخطوة الخيار الأنسب لحماية كرامتي وسلامتي؟ هل تندرج هذه الوضعيات المهينة ضمن ما يُسمى بالعقاب الشرعي؟</p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك ابنتي الكريمة في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.

 

عندما خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وأوجده في هذا العالم جعله مستحقًّا لمجموعة من الأمور يأتي على رأسها "الحق في الكرامة"، مصداقًا لقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ..}، أي أن حق الإنسان في الكرامة حق وجودي لا فارق في ذلك بين رجل وامرأة.

 

للأسف الشديد البعض مزج ما بين عادات وتقاليد جاهلية وعُقد واضطرابات نفسية ثم ادّعى ظلمًا وبهتانًا أن هذا المزيج العفن هو تطبيق لتشريع إلهي.

 

الضرب وتكريم الإنسان

 

يا ابنتي، الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}. هذه الآية تشرح السياق الذي ورد فيه احتمالية الضرب والذي لا يمكن أن يتعارض مع حقوق الإنسان التي كفلها الله عز وجل ومنها الحق في الكرامة.

 

الآية تتحدث عن تنظيم الحياة الداخلية بين الزوجين وتمنح الرجل حق القوامة، والتي هي باختصار القيادة العليا للبيت، وتشرح الأسباب التي منح الله الرجل حق القوامة بسببها، وهي أنه هو المسئول عن النفقة والتبعات المادية للبيت، وأيضًا لأن الرجل يمتلك من سمات الشخصية ما يؤهله للقيام بهذا الدور، وأن المرأة الصالحة هي المرأة الهادئة المطيعة الحافظة للغيب.

 

فإذا ما اضطربت الأمور داخل البيت ووقعت المرأة في شرك النشوز وهو الاستعلاء على الزوج وأوضح ما يتجلى ذلك في العلاقة الزوجية، فهنا يقوم الرجل بما له من قوامة بمحاولة إصلاح زوجته فيبدأ بالعظة أي الكلام والحوار ويشرح لها خطورة الوضع ويسمع منها ما تعانيه، فربما لديها مشكلة هو غير مدرك لها.

 

فإذا استفاض في الحوار والوعظ ولا نتيجة فهنا يصعد الأمور درجة فيصل لمرحلة الهجر، أي الانسحاب العاطفي الجزئي، وله صور متعددة تدور كلها بأنه يتخذ منها موقفًا سلبيًّا فيعطيها ظهره في الفراش ولا يتحدث معها إلا لضرورة، ومثل هذه الأمور، فهذا الهجر جرس إنذار خطير.

 

فإذا لم تستجب هذه المرأة وبقيت على نشوزها واستعلائها منح الزوج الحق في ضربها وفقًا لشروط بينها العلماء منها:

 

· أن يغلب على ظنه أنها تستجيب لهذا الأسلوب "الضرب" ويستحضر نية الإصلاح لا الانتقام.

 

· أن يكون ضربًا غير مؤثر كالضرب بالسواك أي يكون ضربًا رمزيًّا.. لون من ألوان التنبيه الشديد عن طريق استخدام وسيلة حسية للتنبيه.

 

· ألا يكون مهينًا فلا سب ولا ضرب على الوجه، حيث ورد نهي مباشر على ذلك.

 

· أن يتوقف مع أول بادرة استجابة.

 

إذن الضرب المذكور في الآية الكريمة هو مرحلة متقدمة تستخدم بحذر شديد في مرحلة ما قبل انهيار البيت.. يمكنك اعتباره الكيماوي الأحمر الذي لا يستخدم إلا للضرورة القصوى لمنع ضرر أكبر.. وليس خيارًا سهلاً يتم استخدامه ببساطة.

 

ما الحل؟

 

ابنتي الكريمة، قلت إن لك بعض ردود الأفعال الحادة، وهي وإن كانت ليست مبررًا للضرب والإهانة لكن عليك أن تتدربي على التعامل معها (وإنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم...).

 

عائلتك قد لا تنصفك لأن التركيز كله سيسلط على ردود فعلك الحادة هذه؛ لذلك دربي نفسك على التخلص من ردود الفعل هذه، وانسفي الحجة التي سيبررون بها ما يحدث لك.. بوجه عام أنت المستفيدة الأولى من التخلص من ردود الفعل الحادة فهي قد تجعلك تخسرين الكثير في حياتك كلها وليس في زواجك فقط.

 

· تحدثي مع زوجك بهدوء شديد وقولي له: أنا أرفض هذا الأسلوب المهين في التعامل وهو أسلوب غير شرعي، وإذا أردت التأكد فدعنا نذهب لأحد مراكز الفتوى ونشرح له بالتفصيل الذي يحدث بدءًا من طبيعة الخطأ الذي أعاقب عليه مرورًا باستخدام أوضاع مهينة انتهاء لاستخدام أدوات عقاب كالحزام، فإذا بطلت حجتك أن هذا عقاب شرعي فعليك أن تتوقف عن هذه الممارسات.

 

· إذا كان لا يستطيع التوقف فاقترحي عليه مراجعة طبيب نفسي، فأنا أشك أن هناك خللاً نفسيًّا فيما يحدث؛ فأسلوب الضرب الذي تشرحينه ينم عن خلل نفسي مرتبط بإهانة وإذلال الطرف الآخر.. ولكن تلطفي في عرض الأمر عليه حتى لا يثور عليك.. يمكنك أن تعرضي عليه الذهاب معًا من أجل المشكلات الزوجية العالقة بينكما دون ذكر الشكوك التي تعتريك إزاء اضطراب شخصيته.

 

· إذا لم تجدي أي استجابة أو تغيير فليس عليك إلا تصعيد الأمر والشكوى الواضحة لأهلك أو اللجوء للحكمين، ولا تستسلمي أبدًا للوضع المهين الذي يفقدك الحق في الكرامة والذي يراد فرضه عليك باسم الدين.

 

· أكثري من ذكر الله ومن الاستغفار ومن الدعاء أن يريح بالك ويصلح حال زوجك ويؤلف بين قلوبكما؛ فالقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن، وادعي الله وأنت موقنة بالإجابة عسى الله أن يجعل من بعد عسر يسرًا.


روابط ذات صلة:

يضربني بعنف وما زلت متعلقة به!

يضربني وأنا حامل.. ماذا أفعل؟

زوجي يضربني كل يوم.. هل أصبر عليه؟