خلود أهل النفع والإحسان من غير المسلمين في النار.. أين العدل؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">فضيلة الشيخ أرجو أن توضح لنا الحكم الشرعي في هذه المسألة:</span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">يثور جدل واسع كلما مات رجل من مشاهير غير المسلمين الذين أفنوا أعمارهم في خدمة البشرية، أو محسن إلى الفقراء والمساكين حسن الخلق غير أنه لم يشهد أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله فيتساءل بعض الناس ـــ ومعظمهم من المتفلسفة ـــ كيف لعدالة الله أن تُدخل من هذا حاله النار خالدا مخلدا فيها، وربما يدخل الجنة رجل من آحاد الناس لم يزد عن الشهادتين إلا فروض الإسلام بحدها الأدنى ولم ينتفع منه أحد من الناس بنفع يذكر. فما هو وجه الصواب في هذه الشبهة نفع الله بكم؟</span></p> <p class="MsoNormal" dir="LTR"><o:p>&nbsp;</o:p></p>

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، هذا السؤال يطرق بابًا عقائديًّا وفكريًّا عميقًا، وهو من أكثر الشبهات ورودًا على عقول الشباب والمثقفين في عصرنا الحالي؛ نظرًا لسيادة النموذج الفكري المادي وتأثير العولمة الإعلامية.

 

وإن الإيمان بعدل الله تعالى وحكمته هو ركن أصيل من أركان العقيدة الإسلامية؛ فالله سبحانه هو "الحكم العدل" الذي لا يظلم مثقال ذرة، وهو القائل في محكم تنزيله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40].

 

بيد أن العقل البشري المعاصر كثيرًا ما تزلّ به القدم حينما يقيس موازين الآخرة بمقاييس الدنيا الفانية، أو حينما يعتمد على عاطفته المجردة للفصل في قضايا الغيب الإلهي، مما ينشأ عنه خلط مادي وفكري خطير بين "حقوق العباد" و"حق رب العباد"، وهو ما يستلزم تفكيك الشبهة وإعادتها إلى أصولها العقلية والشرعية الصحيحة.

 

اختصارًا:

 

يعاني العقل المعاصر من انحياز إدراكي ناتج عن "المادية الحديثة" التي تُعظّم النفع الحسي الدنيوي كصناعة دواء أو اختراع تكنولوجي وتعدّه قمة الإنجاز، بينما تستخف بـ "الجريمة الوجودية الكبرى" وهي جحود الخالق سبحانه ونسبة الرزق والخلق لغيره، وهو خلل كبير في ترتيب الأولويات العقلية.

 

مهمة الإنسان الأولى والغاية التي أُوجد الإنسان لأجلها هي "العبادة والتوحيد" بموجب العهد والميثاق الوجودي. ومن فرّط في هذا الأصل الأصيل لم ينفعه تجويده للفروع الإنسانية، كحال من أهمل المهمة الوظيفية الكبرى التي عُيّن لأجلها وتفرغ لأعمال تطوعية هامشية؛ فلن يشفع له ذلك عند رب العمل، والغريب أننا نقبل هذا في الشركات والأعمال، ثم إذا جئنا نجريه على استقامته، صرخ بعضهم أين العدل الإلهي.

 

وواحدة أخرى أولى ضآلة حجم الدنيا وجزاء الكافر الدنيا بأسرها لا تزن عند الله جناح بعوضة؛ ولذلك يعجل الله للمحسن غير المسلم ثواب عمله الإنساني في الدنيا من صحة، وراحة، وصيت حسن، ومال، تفعيلاً لعدل الله المطلق، فلا يبقى له عند الله في الآخرة حق؛ لأن الآخرة لا تُشترى إلا بعملة "الإيمان والتوحيد".

 

وتفرق الشريعة بين "الحكم العام بالوعيد" لمن مات على الكفر، وبين "الجزم لمعين بالجنة أو النار"؛ إذ لا يجوز القطع لشخص محدد بالجنة أو النار إلا من نص عليه الوحي؛ لجهلنا بخواتيم الأعمال وبما في السرائر، فنحكم بالظاهر في الدنيا، ونكل السرائر إلى الله في الآخرة.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: جزاء الكافر على إحسانه الدنيوي في الشريعة

 

قرر علماء الأمة ونصوص الوحي أن الله عز وجل -لكمال عدله- لا يبخس الكافر المحسن حقه، بل يوفيه إياه كاملاً في هذه الدنيا الفانية، لعلم الله بضآلة حجم الدنيا وتفاهتها مقارنة بالآخرة.

 

من السنة المطهرة: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» رواه مسلم في صحيحه.

 

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعُه، إنه لم يقلْ يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين» رواه مسلم.

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "والكفار يثابون على ما يفعلونه من الحسنات في الدنيا، كما في الصحيح عن النبي ... لكن ثواب الآخرة مشروط بالإيمان، فمن لم يؤمن بالله واليوم الآخر لم يكن له في الآخرة من خلاق؛ لأن شرط قبول العمل الصالح هو الإيمان بالله ورسوله".

 

ثانيًا: حكم الجزم للمعين بالجنة أو النار

 

اتفقت كلمة أهل السنة والجماعة على منع الشهادة لشخص معين -مسلمًا كان أو كافرًا- بأنه من أهل الجنة أو النار بأعيانهم، إلا من جاء فيه نص صريح من الكتاب والسنة، وتألي الناس على فلان بالجزم له بالجنة أو النار إثم عظيم وافتئات على حق الله، ومناف للأدب مع جلال الله وكماله.

 

جاء في "العقيدة الطحاوية" للإمام أبي جعفر الطحاوي: "ولا نُنَزِّل أحدًا منهم جنة ولا نارًا، ولا نشهد عليهم بكفر ولا شرك ولا نفاق، ما لم يظهر منهم شيء من ذلك، ونذر سرائرهم إلى الله تعالى".

 

وقال الإمام ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}: "إن الله سبحانه يعلم الخواتيم، فمن علم أنه يموت كافرًا فهو كافر في علم الله، ومن علم أنه يتوب ويموت مؤمنًا فهو مؤمن. لذا لا يحل لأحد أن يشهد لمعين من أهل القبلة بالجنة ولا بالنار، ولا لكافر معين بالنار، إلا من شهد له النص؛ لأن العبرة بالخواتيم وهي مغيبة عن الخلق".

 

وقال الإمام القرطبي في كتابه "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة": "فأما الكافر المعين الذي عاش كافرًا ولم يُعلم مماته، فلا يجوز الجزم بخلوده في النار؛ لاحتمال أن يكون قد أسلم في اللحظات الأخيرة من حياته توبةً خفية لم يُطلع الله عليها أحدًا من خلقه، فالخاتمة سر بين العبد وربه".

 

ثالثًا: البعد النفسي والانحياز المعرفي

 

إن تعاطف الإنسان مع المبدع أو المحسن غير المسلم ينبع من كون الإنسان "كائنًا اجتماعيًّا حسيًّا". فنحن نرى الأثر الملموس لبناء المستشفيات أو اكتشاف الأدوية، ونشعر بامتنان غريزي لمن خفف آلامنا الجسدية.

 

لكن في المقابل، نغفل عن "الجريمة الأخلاقية والوجودية الكبرى"، وهي جحود الخالق ونسبة الفضل لغيره. فالإنسان لو صنع له صديق جميلاً ثم جحده ولم يعترف به، لعده الناس لئيمًا ساقط المروءة، فكيف بمن يعيش في نعم الله، يتنفس هواءه، ويتقلب في فضله، ثم ينسب النفع للطبيعة أو لصنم، أو يجحد وجود الله بالكلية؟! إن السقوط الأخلاقي في حق الخالق أعظم بكثير من أي نفع يقدمه الإنسان للمخلوق.

 

رابعًا: المنظور المادي المعاصر وضآلة حجم الدنيا

 

يقوم الفكر المادي الحديث على تقييم الإنسان بوصفه "وحدة إنتاجية" أو "كائنًا اقتصاديًّا"؛ فمن ينتج أكثر للبشرية ماديًّا هو الأفضل. غير أن الشريعة تزن الأمور بميزان أبدي؛ فالدنيا كلها بمخترعاتها، وبطول أعمارها، لا تزن عند الله جناح بعوضة، كما جاء في الحديث الشريف: «لو كانتِ الدُّنيا تعدلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضةٍ ما سقى كافراً منها شربةَ ماءٍ» رواه الترمذي.

 

بناءً على هذه الضآلة، يعجل الله للمحسن غير المسلم ثوابه كاملاً في الدنيا من مال، وصحة، وأولاد، وراحة نفسية، وخلود اسمه في التاريخ؛ لأن الله عدل لا يظلم أحدًا. فإذا أتى القيامة، طالب بثواب عمله، فيقال له: قد استوفيت ثوابك في الدنيا التي عملت لأجلها وبقوانينها، أما الآخرة فلها عملة أخرى لم تقدمها وهي "الإيمان".

 

وجوهر القضية يكمن في "مهمة الإنسان الأولى". إن مهمة الإنسان في الأرض ليست مجرد إعمار مادي للكون وتسهيل العيش فيه، بل المهمة الأساسية والعقد الأصيل هو "التوحيد والعبادة": {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]. وإعمار الأرض والرحمة بالخلق هما فرعان يتبعان هذا الأصل ولا يغنيان عنه.

 

تخيل أن شركة تقنية كبرى استأجرت "مهندس أمن سيبراني" براتب خيالي، وحددت وظيفته الأساسية والحاسمة في حماية خوادم الشركة من الاختراق والتجسس.

 

ترك هذا المهندس مكتبه وشاشته، وذهب يبذل جهودًا جبارة وشاقة في تنظيف مكاتب الموظفين، وترتيب حديقة الشركة، ومساعدة العمال في حمل الأغراض، وبث روح البهجة والابتسامة في الممرات. وأثناء انشغاله بهذه الأعمال الجميلة، تُرِكت الخوادم بلا حماية، فاخترقها القراصنة، وسرقوا بيانات الشركة وكبدوها خسائر بالمليارات.

 

حين يقرر رئيس مجلس الإدارة فصل هذا المهندس ومحاسبته، هل يصح للمهندس أن يتباكى قائلاً: "لكنني نظفت المكاتب، وسقيت الزهور، وكنت لطيفاً مع الجميع، فكيف تفصلونني؟!"؟ بالتأكيد لا؛ لأن كل هذه الأعمال الجانبية الطيبة لا قيمة لها ما دام قد ضيع وأهمل المهمة الجوهرية والوحيدة التي قام عليها عقد توظيفه.

 

كذلك الإنسان؛ العقد الأساسي الذي بينه وبين الله هو التوحيد والإيمان برسالته، فإذا جحد الرب وأشرك به، لم ينفعه لو بنى مستشفيات الأرض كلها؛ لأنه ألغى جوهر الرسالة التي أُوجد في هذا الكون من أجلها.

 

القواعد الفقهية والعقدية الحاكمة

 

تتخرج هذه المسألة العقائدية على عدة قواعد كلية تضبط موازين الثواب والعقاب:

 

قاعدة: "الإيمان شرط لقبول سائر الأعمال في الآخرة"

 

كما أن الوضوء شرط لصحة الصلاة، فكذلك الإيمان بالله وتوحيده هو شرط لقبول الأعمال الصالحة ودخول الجنة في الآخرة، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} [الفرقان: 23].

 

قاعدة: "العدل الإلهي لا يستلزم التسوية بين المختلفين"

 

من مقتضيات العدل التفريق بين المطيع المقر بربه وإن قصر وعصى، وبين الجاحد الناكر له وإن أحسن للخلق، قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 35-36].

 

قاعدة: "نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر"

 

أصلها ونظامها: نتعامل مع من مات على غير الإسلام في الدنيا بأحكام الكفار ظاهرًا فلا نترحم عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولكننا لا نملك حق القطع بخلوده المعين في النار غيباً؛ لأن القلوب والخواتيم بيد الله وحده.

 

نسأل الله العلي القدير أن يثبت قلوبنا على الإيمان، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حكم من يتوفى وهو يبحث عن الدين الحق

التوحيد والإيمان بالله شرط لدخول الجنّة