كيف ينصف المدير العام موظفًا دون كسر رئيسه المباشر؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">السلام عليكم ورحمة الله.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">أنا مدير عام لإحدى الشركات التي تضم عدة أقسام يترأس كلًا منها رئيس قسم. تقدم إليّ أحد موظفي الأقسام بشكوى مباشرة ضد رئيس قسمه بسبب خلاف بينهما. وبعد سماع كل طرف على حدة، وبحث الموقف والتحقق منه بحيادية، تبين لي أن الموظف فعلا مظلوم، وأن الحق في جانبه</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">فكيف يمكنني أن أنصف هذا الموظف وأعيد إليه حقه، وفي الوقت نفسه أحافظ على هيبة رئيس القسم ومكانته أمام فريقه، ودون أن يفتح هذا الإجراء الباب لتجاوز التسلسل الإداري</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span lang="AR-SA" dir="LTR" style="font-size: 18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span> </span><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">من بقية الموظفين مستقبلًا؟</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">ولكم جزيل الشكر</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، ويسدد رأيك، ويمنحك الحكمة وفصل الخطاب، وأن يجعلك مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، وأن يبارك في جهودك، وبعد...

 

فإن إقامة العدل وإنصاف المظلوم مع الحفاظ على النظام واستقرار هيبة الإدارة هو المحك الحقيقي للقائد الحكيم. والإدارة الحكيمة لا تلغي النظم الصارمة من أجل عواطف الأفراد، وفي الوقت ذاته لا تسحق حقوق الأفراد ومشاعرهم بذريعة الحفاظ على النظام وهيبة المديرين؛ بل هي هندسة إنسانية دقيقة تضع كل شيء في موضعه الصحيح، ممتثلة لروح الشريعة، ومستفيدة من أدوات الإدارة الحديثة.

 

إنصاف الموظف المظلوم وإعادة حقه

 

إن العدل قيمة مطلقة لا تقبل المساومة، ولا تخضع للموازنات والمواءمات؛ فالظلم مجلبة للهلاك وممحق للبركة في أي منظومة. يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. وفي الحديث القدسي الجليل، يقول الله عز وجل: «يا عبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا» [رواه مسلم]. ويقول النبي: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه البخاري].

 

فإنصاف هذا الموظف فرض شرعي وواجب إداري؛ لأن شعور الموظف بالظلم يقتل ولاءه للمنشأة، ويثبط همته، ويحول بيئة العمل إلى بيئة سامة طاردة للكفاءات.

 

فإذا كان الحق ماديَّا (كعلاوة محجوبة، أو راتب مستحق لم يُدفع، أو تقييم أداء مجحف) يتم تعديله فورًا بالأرقام والوثائق. وإذا كان الحق معنويًّا: (كاعتذار عن إهانة أو رد اعتبار) فيتم عمله بطريقة تحفظ كرامة الموظف ولا تكسر هيبة رئيسه، كما سنبين.

 

الحفاظ على هيبة رئيس القسم ومكانته

 

إن رئيس القسم هو ذراعك التنفيذية داخل الشركة، وكسر هيبته أو إسقاط مكانته أمام مرؤوسيه يعني شل حركة القسم بالكامل، ونشوء حالة من التمرد الإداري والاتكالية. ومن القواعد التربوية العظيمة ستر المسؤول والرفق به عند التوجيه. يقول النبي: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُنْ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [رواه مسلم].

 

والمنهج النبوي في تصحيح أخطاء القادة والناس لم يكن قائمًا على الفضيحة والتشهير، بل كان يستر المخطئ ويوجه المجموع بلطف، بأسلوب: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا...».

 

والحل هنا يكمن في تمكين المدير من إصلاح خطئه بنفسه. فبدلًا من أن تصدر أنت -كمدير عام- قرارًا فوقيًّا يظهر فيه رئيس القسم بمظهر المخطئ المهزوم أمام موظفه، يجب أن تجعل التغيير ينبع من رئيس القسم نفسه بعد جلسة مكاشفة واقتناع، فيظهر أمام فريقه بمظهر القائد الشجاع المنصف الذي يراجع نفسه ويرجع إلى الحق، وهي من أعلى صفات الهيبة والقيادة الأخلاقية.

 

حماية التسلسل الإداري ومنع التجاوز مستقبلًا

 

لقد ذم القرآن الكريم التسرع في «تخطِّي القنوات الرسمية» ونقل الشكاوى والأخبار دون ردها إلى أهل الاختصاص والتسلسل القيادي، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].

 

إن تجاوز الموظف لرئيسه ومجيئه إليك مباشرة -رغم أنه أنقذه من الظلم في هذه الحالة الاستثنائية- يجب ألا يتحول إلى ثقافة سائدة؛ وإلا فستجد نفسك غارقًا في تفاصيل ومشاكل يومية صغيرة، وستلغي دور الصف الثاني من القيادات.

 

والهدف هنا ليس إغلاق بابك تمامًا في وجه المظلومين، بل الحل هو تقنين القنوات وتحويل التجاوز العشوائي إلى تصعيد نظامي مشروط، بحيث يفهم الموظف أنك استمعت إليه لأن هذا حقه؛ ولكن الطريقة التي سلكها تتطلب تقويمًا إداريًّا لضمان عدم تكرار الفوضى.

 

ولحسم هذا الموقف بأسلوب يجمع بين العدالة والحزم الإداري والتربوي، أقترح عليك الخطوات التالية بالترتيب:

 

1- المكاشفة المغلقة مع رئيس القسم:

 

اجتمع برئيس القسم في مكتبك خلف أبواب مغلقة. وابدأ الجلسة بالثناء على جهوده ومكانته وأهمية دوره في الشركة لتقليل دفاعيته. ثم اعرض عليه الحقائق والنتائج التي توصلت إليها بهدوء وبأدلة مادية، قاصدًا النصيحة والتقويم لا التوبيخ.

 

قل له بوضوح: «لقد تبين لي بالدليل أن الموظف (فلان) له حق في هذا الموقف، وأنا حريص جدًّا على مظهرك وهيبتك أمام فريقك، لذلك أريدك أنت شخصيًّا أن تعيد الحق، وتصلح هذا الخطأ».

 

2- الاتفاق على سيناريو المعالجة:

 

اتفق مع رئيس القسم على سيناريو يعيد للموظف حقه دون إحراج رئيسه. على سبيل المثال: إذا كان الخلاف حول مهمة عمل أو تقييم أداء مجحف، يطلب رئيس القسم الموظف في مكتبه (دون وجودك) ويقول له: «بناءً على مراجعة إضافية وتدقيق للمؤشرات والجهود الأخيرة، تبين لي أن وجهة نظرك كانت صائبة في نقطة كذا، ونحن في هذا القسم لا نجد غضاضة في تصحيح المسار، وبناءً عليه سيتم تعديل الإجراء لصالحك». هنا يرى الموظف أن حقه قد عاد من خلال رئيسه المباشر، وتزداد هيبة رئيس القسم في عين الموظف؛ لأنه بدا قائدًا موضوعيًّا يتراجع عن الخطأ.

 

3- تذكير الموظف بالحدود واللوائح:

 

بعد إنصاف الموظف استدعِه إلى مكتبك، وقل له بلهجة حانية وحازمة في آن واحد: «مرحبًا، لقد سعينا للتحقق من شكواك وعاد إليك حقك كاملًا عن طريق رئيس قسمك؛ لأن إدارة هذه الشركة تقوم على العدل ولا تقبل الظلم أبدًا. ولكن، يجب أن تعلم أن مجيئك إليّ مباشرة يعد مخالفة للتسلسل الإداري ونظام المنشأة. كان يجب عليك أولًا تقديم تظلم مكتوب لرئيسك، وفي حال عدم الاستجابة ترفع الأمر رسميًّا لإدارة الموارد البشرية. نحن استثنينا حالتك نصرة للحق، ولكن لن نسمح بتجاوز النظم مستقبلًا لضمان انسيابية العمل».

 

4- سد الثغرات للمستقبل:

 

أصدر تعميمًا إداريًّا عامًّا للشركة كلها بعد فترة وجيزة، دون الإشارة من قريب أو بعيد للحادثة. يتضمن هذا التعميم سياسة واضحة ومعتمدة للتظلمات والإجراءات التصعيدية. وحدد فيه الخطوات بالتفصيل: الشكوى للمدير المباشر أولًا، ثم التصعيد للموارد البشرية في حال عدم الحل خلال 5 أيام عمل، ثم التصعيد النهائي للمدير العام. مع وضع عقوبات إدارية واضحة لمن يتخطى التسلسل الإداري دون مبرر نظامي موثق. بهذا الإجراء تحمي نفسك ومديريك من العشوائية، وترسخ العدل بما يحميه.

 

وختامًا أخي الفاضل، إن القيادة أمانة عظمى، والتوفيق فيها معقود بمدى تحري العدل والرفق. واعلم أخي الكريم أنك بصبرك وحكمتك في علاج هذه المعضلة تحمي بنيان شركتك من التصدع، وتثبِّت دعائم بيئة عمل مستقرة ومنتجة يسودها الأمان والإنتاجية.

 

أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يريك الحق حقًّا ويرزقك اتباعه، ويريك الباطل باطلًا ويرزقك اجتنابه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

روابط ذات صلة:

كيف تكون منصفًا؟

كيف يحل قادة الفرق المشكلات؟

الإدارة.. التوازن بين الحزم والمرونة

متابعة المدير أداء العمل بين الرقابة والاستقلالية