عمولات الترويج للصيادلة ما يحل منها وما يحرم

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;tab-stops:188.05pt; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif;mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الشيخ الفاضل، جزاكم الله خيرًا على نشركم العلم وأسأل الله أن ينفع بكم.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;tab-stops:188.05pt; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif;mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;">تعتمد العديد من الصيدليات في رواتبها للصيادلة على إضافة عمولات على بيع بعض الأصناف وتكون هذه الأصناف عبارة عن قائمة من المنتجات المحفزة لتحفيز الصيادلة على بيعها، هذه الأصناف قد تكون منتجات معروفة لشركات معروفة وقد تكون منتجات جديدة لشركات جديدة لا يعرف مدى جودتها.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;tab-stops:188.05pt; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif;mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;">هذه العمولات في الغالب تكون بالاتفاق بين إدارة الصيدليات والشركة الموزعة للمنتجات بحيث على سبيل المثال: عندما يقوم الصيدلي ببيع عدد 1 علبة من صنف (س) سيأخذ عمولة على بيع هذه العلبة 2 جنيه، وقد تكون هذه العمولات من إدارة الصيدليات نفسها لتحفيز الصيادلة على بيع بعض المنتجات التي تكون ربحها عالي بالنسبة للصيدليات أو أصناف راكدة وترغب إدارة الصيدليات في تحفيز الصيادلة لعرضها على العملاء.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;tab-stops:188.05pt; direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif;mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;">كما تقوم بعض الصيدليات بالاتفاق مع بعض الشركات بعمل مسابقات لفريق العمل فيها على من سيبيع عدد أكبر من القطع من منتجات شركة محددة أو عدد عبوات أكثر ومثلا أول 5 لهم جوائز مادية أو قسائم شرائية أو أي شكل من أشكال المكافأة.. فما الحكم شيخنا الفاضل جزاكم الله خيرًا؟<o:p></o:p></span></p>

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، ومهنة الصيدلة ليست مجرد نشاط تجاري بحت، بل هي مهنة ذات شق إنساني وطبي يقوم على ركن "النصح والأمانة". والصيدلي في نظر الشريعة ليس مجرد بائع، بل هو مستشار مؤتمن يثق العميل برأيه وعلمه. وقد أفرزت المنظومات الإدارية الحديثة في الصيدليات أساليب تحفيزية لزيادة المبيعات، كربط عمولة الصيدلي ببيع أصناف معينة سواء كانت راكدة، أو ذات ربح عالٍ، أو لشركات جديدة، أو إقامة مسابقات مادية لـ "الأكثر بيعًا". ونظرًا لأن هذه الحوافز قد تدفع البعض لتقديم مصلحته المالية على مصلحة المريض، كان لا بد من ضبط هذه المعاملات بالضوابط الشرعية التي تحمي المريض وتصون أمانة الصيدلي.

 

اختصارًا: حكم أخذ العمولات والمكافآت على بيع بعض الأصناف في الصيدليات جائز شرعًا من حيث الأصل، باعتباره نوعًا من الجُعالة أو السمسرة المشروعة، ولكنه مشروط بشرط حاسم لا ينفك عنه، وهو: "عدم الإضرار بالعميل أو غشه".

 

فإذا كان المنتج سليمًا، مرخصًا، ويؤدي الغرض المطلوب فعلاً، وقام الصيدلي ببيعه للعميل دون تدليس أو مبالغة، فالعمولة حلال. أما إذا قادت هذه العمولات الصيدلي إلى التعمية على العميل، أو ادعاء خواص علاجية وتجميلية وهمية لا وجود لها في المنتج لإقناعه بالشراء، أو توجيهه لمنتج رديء وترك المنتج الفعّال لمجرد تحصيل العمولة، فإن هذه المعاملة تتحول إلى خديعة محرمة شرعًا، والمال المكتسب منها سحت؛ لما فيه من الغش والخيانة للأمانة. والمسابقات البيعية تأخذ نفس التفصيل حلال في الطيب النافع، وحرام إذا أدت للتدليس والضغط على المستهلك بما لا ينفعه.

 

وتفصيلاً: فقد ناقش العلماء قديمًا أصل هذه المسألة تحت باب "السمسرة والجعالة"، وعالجها العلماء المعاصرون في سياق العمولات الطبية والدوائية، وفيما يلي تفصيل نصوصهم:

 

التأصيل الفقهي لمشروعية السمسرة والتحذير من الغش:

 

من حيث المبدأ، أجاز الفقهاء قديمًا أخذ الأجر والعمولة على ترويج السلع.

 

جاء في صحيح البخاري كتاب البيوع، باب أجر السمسرة: "ولم يرَ ابن سيرين، وعطاء، وإبراهيم، والحسن بأجر السمسار بأسًا".

 

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا بأس أن يقول: بع هذا الثوب، فما زاد على كذا وكذا فهو لك" مصنف ابن أبي شيبة.

 

لكن هذا الجواز مشروط بالصدق التام. فقد شدد الفقهاء على أن السمسار أو البائع إذا كتم عيبًا أو مدح السلعة بما ليس فيها، فالعمل محرم. يقول الإمام النووي في المجموع 9/332:

 

"الغش في البيوع محرم، سواء كان بامتناع إظهار العيب، أو بادعاء وصف جميل لا وجود له في السلعة، وهو من الكبائر".

 

حكم عمولات الصيادلة والأطباء:

 

ركزت المجامع الفقهية وهيئات الإفتاء على حماية المريض من استغلال حاجته وجهله بالدواء:

 

فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية - المجلد رقم 13، الصفحة 125:

 

سُئلت اللجنة عن قيام الشركات بتوزيع هدايا أو عمولات على من يروج أدوية معينة، فأجابت:

 

"إذا كان هذا الترويج يترتب عليه ضرر بالآخرين؛ كإلحاق الضرر بالمريض عبر صرف دواء رديء وترك الدواء النافع، أو رفع سعر الدواء على المستهلك لتغطية العمولة، فإن هذا العمل محرم. أما إن كان الدواء نافعاً ولم يترتب عليه ضرر ولا زيادة في السعر، فلا بأس بها".

 

وهنا يظهر جليًا أن الصيدلي لا يجوز له إخفاء البديل الأفضل أو الأرخص عن المريض لمجرد رغبته في بيع صنف "العمولة".

 

فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين لقاء الباب المفتوح، اللقاء رقم 65:

 

أكد الشيخ ابن عثيمين على خطورة "التعمية" والكذب في هذه المعاملات، حيث قال ما معناه: إن إعطاء المندوب أو الصيدلي مكافأة على ترويج صنف معين جائز بشرط ألا يؤدي ذلك إلى تقديم هذا الصنف على ما هو أفضل منه، وألا يخدع المشتري بالثناء على المنتج بما ليس فيه. فإذا جاء العميل ووصف له الصيدلي دواءً ضعيف الجودة أو راكدًا وأقنعه بأنه "أفضل دواء في السوق" كذبًا ليأخذ العمولة، فهذا من الغش المحرم، وكسبه خبيث.

 

قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي القرار رقم 189 بشأن الأخلاقيات الطبية:

 

أكد المجمع على وجوب استقلال القرار الطبي والصيدلاني عن أي مؤثرات مالية. فالصيدلي يجب أن يبني نصيحته للمريض بناءً على الأمانة العلمية. وإذا كانت السلعة مجهولة الجودة، فلا يحل له بيعها للعميل والشهادة لها بالجودة إلا بعد التأكد علميًّا من سلامتها ومأمونيتها؛ لأن "الشهادة بالصلاح والوجود" لمنتج لا يُعرف حاله تدخل في باب شهادة الزور والتدليس.

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

تنضبط تصرفات الصيدلي مع العملاء في منظومة العمولات بعدة قواعد فقهية كبرى، تجعل الأمانة هي المحرك الأول وليس العائد المادي:

 

قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار"

 

وهي مأخوذة من الحديث النبوي الشريف. وتطبيقها في مجال الصيدلة يمنع الصيدلي منعًا باتًّا من ترويج أصناف راكدة شارف تاريخ صلاحيتها على الانتهاء، أو منتجات جديدة غير مضمونة، عبر إيهام العميل بأنها ممتازة. أو إلحاق الضرر المالي بالعميل عبر إضاعة ماله في منتج لا يفيده أو الضرر الصحي عبر إعطائه منتجًا أقل كفاءة هو عين "الضرار" المحرم شرعًا.

 

قاعدة: "المستشار مؤتمن"

 

هذه القاعدة النبوية هي أساس التعامل بين الصيدلي والعميل. العميل يدخل الصيدلية وهو "جاهل" بالتركيبات الدوائية والخواص الفيزيائية للمنتجات، ويضع ثقته كاملة في الصيدلي. بناءً على هذه القاعدة، فإن أي كتمان للحقيقة، أو اختلاق لخواص ومنافع وهمية للمنتج مثل ادعاء أن كريم تجميل معين يقضي على التجاعيد في يومين، أو أن هذا المكمل العشبي يشفي من السكري تمامًا لمجرد الفوز بالمسابقة البيعية أو العمولة، يعد خيانة للأمانة ونقضًا لعقد الاستشارة الضمني بينهما.

 

قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد"

 

العمولة في أصلها وسيلة كسب مباحة، لكن إذا كان الوصول إليها يمر عبر وسائل محرمة كـ التدليس، الكذب، التعمية على العميل، إخفاء البدائل الأرخص والأجود، فإن هذه الوسيلة تأخذ حكم الحرمة، ويصبح المال المترتب عليها حرامًا.

 

قاعدة: "البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما..."

 

هذا النص الفقهي النبوي صريح في أن البركة والنماء مشروطان بـ "البيان والصدق". فالصيدلي إذا عرض صنفًا معينًا على العميل، وجب عليه أن يلتزم بالصدق التام، فيذكر خواصه الحقيقية دون مبالغة، ولا يمنع عنه المعلومة إن كان هناك ما هو أولى منه لحالته، أو أرخص منه.

 

وقد أحسنت المؤسسات الأوروبية وفي كثير من بلاد العالم حين فصلت بين الشق الدوائي، والشق المالي، فالطبيب والصيدلي ومعامل التحليل ومراكز الأشعة لا يتعاملون في الشق المادي مع المريض مطلقًا، بل مع مؤسسات التأمين الصحي، فأغلقت بهذا أبواب فساد كثيرة، ولم تعد للطبيب أو الصيدلي مصلحة تذكر في أن يتناول المريض هذا النوع من الدواء أو يأخذ غيره. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

هدايا الشركات والمعامل للأطباء باب فساد أم ترويج مشروع؟

نواقص الأدوية للقادر أم للمعدم؟!.. ميزان العدالة المقلوب