هل تخرج زكاة على ما تعرف بوديعة الصيانة للوحدات السكنية؟ و في حالة قيام الشركة المالكة باستثمارها في بنك تقليدي هل يقوم المشتري بإخراج أي مبالغ تطهير مقابل الفوائد الربوية؟ وفي حالة استثمارها في البنوك الإسلامية ما هو الحال أيضًا بخصوص التطهير ؟ وفي حالة إخراج مبلغ كتطهير ما هو أوجه الصرف لهذه المبالغ؟ جزاكم الله خيرًا.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، النوازل المالية
المستجدة في المعاملات العقارية المعاصرة تتطلب تكييفًا فقهيًّا دقيقًا يربط بين
المقاصد الشرعية لحفظ المال وحقوق العباد، وبين القواعد المستقرة في أبواب الزكاة
والمعاملات. ومن هذه النوازل "وديعة الصيانة" وهي مبلغ مالي مقطوع يدفعه
مشتري الوحدة السكنية أو العقار لمرة واحدة غالبًا، أو بشكل دوري، ويوضع في صندوق
خاص تديره الشركة المطورة أو اتحاد الملاك، ويُخصص عائده أو أصله لإنفاقه على
صيانة المرافق المشتركة للعقار كالواجهات، والمصاعد، والحدائق، والشبكات.
وتكمن الأهمية الفقهية في تحديد الطبيعة القانونية
والشرعية لهذا المال: هل يظل مملوكًا للمشتري ملكًا تامًّا تجب فيه الزكاة؟ أم
يخرج عن ملكه ليصبح مالًا مرصدًا للمصالح العامة للعقار؟ وما ينبني على ذلك من
أحكام عند استثماره في مصارف تقليدية أو إسلامية.
اختصارًا: لا تجب الزكاة على المشتري في وديعة الصيانة؛ لأنها مال خرج من ملكه وتصرفه
المطلق ورُصد لمنفعة عامة مشتركة أشبه بالوقف أو الإرصاد للمصالح، كما لا تجب
الزكاة على الشركة أو اتحاد الملاك لأنهم مجرد نظار ومديرين للمال، والمال ليس
مملوكًا لهم ملكًا تجاريًّا.
استثمار المال المتحصل من وديعة الصيانة في البنوك
التقليدية بفائدة محددة سلفًا هو من الربا المحرم. ويجب تطهير هذا العائد الربوي
بإخراجه كاملًا. والمسؤولية تقع أولًا على الجهة المديرة الشركة أو الاتحاد، فإن
لم تقم بذلك وعلم المشتري بنسبته من الفائدة، وجب عليه تطهيرها.
أما الاستثمار عبر المضاربة أو المرابحة الإسلامية فهو
جائز شرعًا، والأرباح الناتجة عنه حلال لا تحتاج إلى تطهير، وتُضم إلى أصل الوديعة
للإنفاق منها على الصيانة.
لا تُعد مبالغ التطهير صدقة يُبتغى بها الأجر، بل هي
تخلص من مال خبيث، وتُصرف في المصالح العامة للمسلمين كفقراء المسلمين، رصف الطرق،
المستشفيات العامة، ولا يجوز للمشتري أو الشركة الانتفاع بها في صيانة العقار
نفسه؛ لأن الصيانة نفع شخصي يعود عليهم.
بيان المصطلحات والمسائل الإجرائية المعنية
المال الواجب فيه الزكاة: هو المال النامي أو القابل للنماء الذي يملكه المسلم ملكًا تامًّا،
وحال عليه عام قمري، وبلغ النصاب وهو ما يعادل 85 جرامًا من الذهب الصافي. ووديعة
الصيانة تفتقد لشرط "الملك التام" و"التصرف".
المال الواجب تطهيره من الربا: هو كل كسب مالي نتج عن معاملة اشتملت على ربا
الفضل أو ربا النسيئة كفوائد الودائع الثابتة في البنوك التجارية.
طرق التطهير ومصارفه: يتم التطهير بحساب مبالغ الفوائد بدقة وعزلها تمامًا عن أصل المال،
ثم دفعها مباشرة إلى جهات نفع عامة كالفقراء والمساكين كإعانات عاجلة أو سداد ديون
الغارمين، أو المرافق العامة التي لا تعود بنفع مباشر على صاحب العقار كمستشفيات
الأورام الحكومية، المدارس العامة، دور الأيتام، ويخرجها صاحبها بنية التخلص من
الحرام وتنقية المال من الحرام، وليس بنية الصدقة المقبولة الأجر؛ لأن "الله
طيب لا يقبل إلا طيبًا".
وتفصيلاً:
بما أن "وديعة الصيانة" نازلة معاصرة، فقد
تكيّف حكمها بناءً على أقوال الفقهاء الأقدمين في المسائل المشابهة كالمال المرصود
للمصالح، أو النفقات الواجبة، وصدرت فيها فتاوى عن الهيئات الشرعية المعاصرة.
أولًا: زكاة وديعة الصيانة
ذهبت دار الإفتاء المصرية ودائرة الإفتاء العام الأردنية
وعدد من الباحثين المعاصرين إلى أن هذا المال لا زكاة فيه على المشتري، وهو ما
يتماشى مع قواعد الفقه ومنطق الأشياء، فقد خرج المال من يد المشتري، والزكاة واجبة
في المال النامي أو المعد للنماء.
جاء في قرار دار الإفتاء المصرية: "وديعة الصيانة
التي يدفعها مشتري الشقة للشركة لتنفق من عائدها على صيانة العقار، تخرج من ملك
المشتري بمجرد دفعها، وتصبح مالًا مرصودًا للصيانة والمصالح المشتركة، والمال
المرصود للمصالح لا زكاة فيه لعدم تمام الملك"، ويشبه هذا المال ما ذكره
فقهاء الحنفية والشافعية في "المال المرصد للمصالح" أو أموال الأوقاف
التي لا مالك معين لها.
جاء في رد المحتار على الدر المختار ابن عابدين - 2/259
في شروط المال الخاضع للزكاة: "وشرط مرسل وهو الملك التام.. وهو ما كان
مملوكًا رقبة ويدًا"، ووديعة الصيانة ليست للمشتري يد عليها ولا يمكنه
استردادها.
وجاء في المجموع لشرح المهذب النووي - 5/313: "أما
الملك الضعيف فلا زكاة فيه... كمال الوقف"، ووديعة الصيانة تشبه الوقف على
مصالح العقار.
ثانيًا: استثمار الوديعة والتطهير
الاستثمار التقليدي الربوي: اتفق العلماء المعاصرون على
حرمة إيداع الأموال في البنوك التقليدية لأجل الحصول على فوائد ثابتة.
جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي القرار رقم 10
في دورته الثانية: "كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حل أجله وعجز المدين عن
وفائه، وكل زيادة أو فائدة على القرض منذ هبوط عقده، هما ربا محرم شرعًا"،
وبناءً عليه، فإن الفوائد الناتجة عن استثمار الوديعة في بنك تقليدي هي مال واجب
التطهير بإجماع الهيئات الشرعية مثل الهيئة الشرعية العالمية للزكاة.
أما الاستثمار في المصارف الإسلامية عبر عقود المضاربة
حيث تكون الوديعة رأس المال والبنك هو المضارب والربح مشاع بنسبة وليس محددًا من
رأس المال فهو جائز شرعًا.
جاء في المغني ابن قدامة - 5/33: "والتفاضل في
الربح سائغ إذا كان على سبيل المضاربة"، فالربح هنا ناتج عن نشاط اقتصادي
حقيقي حلال ولا يتطلب أي تطهير.
ثالثًا: مصارف مال التطهير
اتفق الفقهاء المعاصرون، تخرّيجًا على أقوال الأقدمين في
التخلص من المال الحرام، على أن مال التطهير يُصرف في وجوه الخير والمصالح العامة.
جاء في إحياء علوم الدين الغزالي - 1/131 في بيان كيفية
التخلص من المال الحرام: "إذا كان معه مال حرام وجهل مالكه... فالوجه فيه أن
يصرفه في مصالح المسلمين العامة كالقناطر والمساجد ومصانع طريق مكة ونحو ذلك مما
يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء".
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
السعودية - 13/353: "الفوائد الربوية مال خبيث، لا يجوز لصاحبه الانتفاع به،
بل يجب عليه التخلص منه بصرفه في المشاريع الخيرية؛ كإعانة الفقراء، وبناء المرافق
العامة".
القواعد الفقهية الحاكمة
تخضع هذه المسألة لعدة قواعد فقهية كبرى وفرعية تضبط
حركة المال وأحكامه:
قاعدة: "الملك التام شرط لوجوب الزكاة"
وديعة الصيانة انتقلت من الملك الخاص للمشتري إلى ملكية
اعتبارية مشتركة لإدارة العقار، وانقطع تصرف المشتري في عين المال فلا يمكنه سحبه
أو بيعه، فلما انتفى الملك التام والتصرف، سقطت الزكاة.
قاعدة: "كل قرض جر نفعًا فهو ربا"
إيداع المال في البنوك التقليدية بفوائد محددة سلفًا
يُكيف قانونًا وفقهًا على أنه "قرض مضمون بفوائد"، وهذه الفوائد هي
النفع المحرم الذي يجب التخلص منه وتطهيره.
قاعدة: "الخبيث لا يملك، وتطهيره بإخراجه"
الفوائد الربوية الناتجة عن الاستثمار التقليدي هي
"مال خبيث لكسبه" لا يدخل في ملك المشتري ولا الشركة ملكًا حلالًا،
وطريقة التعامل معه ليست عبر إتلافه لأن الشريعة تنهى عن إضاعة المال، بل بنقله
إلى جهة عامة بنية التخلص.
قاعدة: "لا يجوز للإنسان أن يقضي دينه أو يحمي ماله
بمال حرام" أو ما يعبر عنه الفقهاء بـ: منع الانتفاع بالمال الحرام في إسقاط
الواجبات
لا يجوز للشركة أو اتحاد الملاك استخدام مبالغ تطهير
الفوائد الربوية في صيانة العقار نفسه؛ لأن الصيانة التزام وواجب عليهم، واستخدام
الفوائد فيها يعني أنهم انتفعوا بالربا في إسقاط التزام مالي عن أنفسهم وحماية
أموالهم الخاصة، وهذا ممنوع. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة: