ما أسباب زيادة الأفكار الانتحارية للشباب؟

نتابع كل يوم عن انتحار شاب أو فتاة لأسباب بسيطة للغاية، فلماذا زادت هذه الظاهرة، ولماذا أصبح الشباب والإنسان بصفة عامة أقل صلابة في مواجهة الحياة، ولماذا مع كل تحدي بسيط يقرر المغادرة بصورة مؤلمة؟

أخي الكريم، انتحار الشباب ومحاولاتهم للانتحار أصبحت أمرًا متكررًا، فلا يكاد يمر يوم وإلا ونتابع في الأخبار انتحار شباب أو فتاة لأسباب تافهة مثل عدم إجابته في امتحان، أو عدم خطوبته لفتاة معينة، أو تعرضه لأزمة مالية لخسارة في تجارة، أو لانفصال والديه.

 

والتساؤل الكبير، هو لماذا أصبح بعض الشباب يظنون أن الحياة عبئًا يجب أن يتخلصوا منه مع أي أزمة أو عقبة يلقونها في الحياة، ولماذا أصبح الإنسان هشًّا لهذه الدرجة المرعبة بتفضيله الموت الشنيع على مكابدة الحياة؟

 

عبء الحياة

 

في دراسة أجراها مركز أبحاث إسباني ونشرت في مارس 2026م بعنوان "لماذا تراود الشباب الأفكار الانتحارية؟" نبّه إلى عدد من الملاحظات المقلقة للغاية، منها:

 

* أن السلوك الانتحاري لدى الشباب أصبح مشكلة عامة ورئيسية عالميًّا، وأن الانتحار هو أحد الأسباب الرئيسية للوفاة بين المراهقين والشباب، وشهد ارتفاعًا مقلقًا في العقود الأخيرة.

 

* أن الانتحار لا يحدث فجأة، ولكنه نهاية مسار، فهو يبدأ بأفكار سلبية سوداوية عن الحياة، وحديث متكرر عن الموت، ثم أفكار انتحارية تظهر في الكلمات ومع الغضب والانفعال، والاهتمام بأخبار المنتحرين، ثم الشروع في محاولات للانتحار، وصولاً إلى عملية الانتحار نفسها.

 

* أنه لا يمكن منع الانتحار لدى الشباب من خلال التركيز على عامل واحد فقط، بل يجب أن تتضافر مجموعة من العوامل والأدوار للعمل في وقت واحد لمنع هذا الانتحار، مثل: الأسرة، والرعاية العاطفية والاجتماعية والإعلام وكذلك السياسة.

 

* يمكن الوقاية المبكرة لانتحار الشباب، فتعرض الشاب لضغوط ممتدة منذ الطفولة بسبب نشأته في بيئة أسرية واجتماعية صراعية قد يكون مؤشرًا مبكرًا لاحتمالية الانتحار، ومن ثم فتبريد المشكلات والبؤر الساخنة بالصراع في البيئة الأسرية والاجتماعية قد يكون سببًا مهمًّا في المنع، كذلك تعرض الشاب أو الفتاة لإهمال وتجاهل وعدم تقدير لفترة طويلة، أو تعرضه لإهانات قاسية مفاجئة قد يكون سببًا وراء الانتحار، ومن ثم فإن الاهتمام بالرعاية العاطفية والوجدانية قد يجفف رغبة الانتحار في النفس، ويُصمت وسواسها القهري بالرغبة في الانتحار.

 

وفي دراسة كندية، نشرت عام 2025م بعنوان "الانتحار بين الشباب والبالغين الصغار في كندا" ذكرت أن انتحار الشباب مشكلة صحية عامة خطيرة تتطلب نهجًا متكاملًا للرعاية، وأنه يزور ما يقرب من نصف الشباب الذين يُقدمون على الانتحار قسم الطوارئ خلال السنة التي تسبق وفاتهم، ويعاني ما يصل إلى 90% منهم من إدمان ومشاكل نفسية لم تُعالج".

 

وفي دراسة بريطانية نشرت عام 2020م بعنوان "الأطفال والشباب الذين ينتحرون" تناولت معلومات عن دور الإنترنت في تسهيل البحث عن معلومات عن طرق الانتحار، ذكرت الدراسة أن "ربع الشباب الذين بحثت سلوكهم الانتحاري، استخدموا الإنترنت لأغراض متعلقة بالانتحار، ونسبة كبيرة منهم عبّروا عن أفكار انتحارية على وسائل التواصل الاجتماعي، وأن أكثر أنواع استخدام الإنترنت شيوعًا كان البحث عن معلومات حول طرق الانتحار".

 

وفي دراسة أمريكية نشرت في أكتوبر 2024م عن مخاطر انتحار الشباب في العام 2023م، ذكرت أن ما يقرب من 40% من الطلاب عانوا من مشاعر الحزن واليأس، وأن 20% فكروا بجدية في الانتحار، حيث سجّلت 50 ألف حالة انتحار في الولايات المتحدة عام 2023م، والانتحار هو السبب الثاني للوفاة بين الشباب، وأن المركز الوطني لمكافحة الانتحار في الولايات المتحدة تلقى (100) ألف مكالمة لأشخاص يرغبون في الانتحار.

 

وختاما أخي الكريم، يشير بعض الخبراء النفسيين إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي لها دور في بعض الأزمات النفسية التي يعاني منها الشباب وتحرضهم على الانتحار، كما أن الشباب يعاني من انتزاع كثير من شبكات الأمان النفسي والاجتماعي وحتى الإحساس بأن المستقبل القادم أفضل، مقارنة بالأجيال الماضية، وهو ما جعلهم يظنون أن الحياة عبء ثقيل ممكن التخلص منه بلا ندم.

 

أخي الكريم، يبقى الدين واليقين والتدين الواعي هو العصمة من اندفاع الشباب إلى هوة الانتحار؛ فالطمأنينة والسكينة التي يخلقها الإيمان في النفس كافية بقمع الوساوس الانتحارية.

 

موضوعات ذات صلة:

هل يمكن التنبؤ بالانتحار واقتلاع أسبابه؟

ما هو دور الإعلام في تزايد حالات الانتحار؟

ما التصورات الخاطئة التي تقف خلف الانتحار؟

انتحار الأثرياء وغياب المعنى من الحياة

العلاقة بين الانتحار والحداثة