كيف نستثمر «المونديال» في ضبط أفكار وأخلاق الأبناء؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">السلام عليكم ورحمة الله.</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">أنا أب لولدين (12 و16 عامًا)، ومع بداية كأس العالم، تحول بيتنا إلى ملعب رباضي! فالتعلق بالبطولة تجاوز مجرد مشاهدة مباراة؛ بل أصبح الأمر هوسًا يوميًا يشمل شراء قمصان المنتخبات، ومتابعة أخبار اللاعبين ليل نهار، والجدال المستمر الذي لا ينتهي حول من سيفوز</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">لا أريد أن أنكد على أولادي متعتهم أو أمنعهم تمامًا، لكني في نفس الوقت أشعر بالقلق من بعض السلوكيات التي بدأت تظهر في البيت أثناء المباريات، مثل</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span lang="AR-SA" dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span> </span><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">التوتر والعصبية الزائدة، والتنابز والغرور عند الفوز، وما يسمى التحفيل من التفاخر الساخر والمكايدة بين الأخوين أو مع أصدقائهم. هذا غير تضييع الأولويات</span><span lang="AR-EG" style="font-size:18.0pt;mso-bidi-language:AR-EG">، مثل </span><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">تفويت موعد الصلاة بسبب وقت المباراة، أو إهمال الواجبات اليومية</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">فكيف يمكنني استغلال هذا الشغف الكبير بالمونديال وتوجيهه تربويًا من منظور إسلامي، لتحويل المناسبة إلى دروس، أغرس من خلالها قيم العقيدة والأخلاق، الإيثار مثلا بدلًا من الأنانية، والتمسك بالهوية والخلق القويم، والروح الرياضية بالصبر عند الخسارة، وأن الدنيا دول، والتواضع والشكر لله عند النصر بدلًا من الشماتة والغرور</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 18.0pt"><o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">وكيف أنبههم إلى أن الفوز الحقيقي والخسارة الحقيقية هما في الآخرة، دون أن نحرمهم من المتع المباحة؟</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وجزاكم الله خيرًا</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك لك في أولادك، وأن ينبتهم نباتًا حسنًا، وأن يجعلهم قرة عين لك ولوالدتهم، وأن يرزقك الحكمة والصبر في تربيتهم وتوجيههم برفق ولين إلى ما يحبه ويرضاه، وبعد...

 

فأحييك أولًا على وعيك وعلى موقفك المتوازن الذي يرفض النكد ومنع المتعة المباحة بالكلية، وفي الوقت نفسه يرفض الانفلات وضياع القيم، فذاك عين الحكمة.

 

طبيعة المرحلة السِّنية

 

إن أولادك في مرحلة سنِّية تتسم بالدفق العاطفي العالي، والحاجة إلى الانتماء، والبحث عن قدوات ومساحات لتفريغ الطاقة. والرياضة -وخصوصًا بطولة كأس العالم- تمثل لهم بيئة خصبة لإشباع هذه الاحتياجات. والذَّكاء التربوي هنا لا يكمن في إطفاء هذا الشغف؛ بل في إعادة توجيهه ليصبح وسيلة لبناء الشخصية، بدلاً من أن يكون سببًا في هدم القيم.

 

وإليك أخي الكريم بعض الأفكار التي تساعدك -بإذن الله- على تحقيق ذلك:

 

1- إعادة تعريف الفوز والخسارة:

 

إن أول درس يمكننا الخروج به من أجواء «المونديال» هو ربط قلوب الأبناء بالحقائق الكبرى في هذا الكون، وتحويل المشهد الرياضي المؤقت إلى تذكير بالآخرة الباقية.

 

فعندما يرى الأبناء دموع الفرح للاعبي الفريق الفائز، وصراخ المشجعين، اجلس معهم جلسة هادئة وقل لهم: «أرأيتم هذه الفرحة الطاغية التي هزت الملاعب؟ إنها فرحة بفوز مؤقت يزول بريقه بعد أيام، فكيف ستكون فرحة المؤمن الفائز بجنة عرضها السماوات والأرض؟!». واستشهد معهم بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].

 

2- التذكير بسُنَّة «التداول»:

 

إن كأس العالم مليء بالمفاجآت؛ فرق كبرى تسقط، وفرق مغمورة تنتصر. فاستخدم هذا لتعليمهم أن الدنيا متقلبة ولا تدوم لأحد على حال، وأن هذا من سنن الله في الخلق؛ قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].

 

اذكر لهم قصة ناقة النبي ﷺ التي كان المسلمون يظنون أنها لا تُسبَق، فجاء أعرابي على جمل شاب فسبقها، فشقَّ ذلك على المسلمين، فلما رأى النبي ﷺ الحزن في وجوههم قال مهدئًا ومربّيًا: «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَلَّا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» [رواه البخاري]. وهذا يعلم الأبناء التواضع عند النصر، والصبر والرضا عند الخسارة.

 

3- معالجة السلوكيات السلبية:

 

إن ما يسمونه «التحفيل» وما يصحبه من تنابز وتوتر زائد، سلوكيات سلبية تحتاج إلى علاج وتهذيب، وقواعد واضحة داخل البيت، تُصاغ بحب وحزم.

 

اجلس مع أولادك خارج أوقات المباريات، واتفق معهم على قانون صارم للمشاهدة، وميثاق أخلاقي يلتزمون به، يتضمن منع التنابز والسخرية، مُذكِّرًا إياهم بآية جامعة في هذا الباب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ومَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].

 

واتفق معهم على أن مَن يقع منه أي سلوك من تلك السلوكيات السلبية، يدفع مبلغًا رمزيًّا من مصروفه يتبرع به للفقراء، أو يقوم بمهمة منزلية ما (كتنظيف البيت مثلًا) كنوع من الاعتذار العملي.

 

4- غرس خلق التواضع والشكر عند الفوز:

 

علِّمهم أن الشماتة والتفاخر الساخر ليسا من شيم الكرام. واستشهد بقول النبي ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» [رواه مسلم]. واضرب لهم مثالاً باللاعبين الذين يسجدون شكرًا لله عند تسجيل الأهداف؛ فالفوز رزق وتوفيق من الله يستوجب الشكر لا الغرور.

 

5- حماية الأولويات:

 

علِّمهم أن الاستمتاع بمتابعة المباريات مباح، ما لم يُضيع فرضًا أو أي شيء أهم منه وأولى. وتأتي على رأس هذه الأولويات الصلوات الخمس المفروضة. فإذا تعارض وقت الصلاة مع وقت المباراة، فلا بد أن يتعلموا أن ينشطا لإقامة الفريضة أولًا، ثم يعودوا لمتابعة المباراة.

 

وذكِّرهم بصفات الذين مدحهم الله في القرآن، بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37]، فإذا كانت التجارة التي هي مصدر الرزق لا تلهي عن الصلاة، فكيف بمباراة كرة قدم؟!

 

ومن الأولويات أيضًا التي ينبغي مراعاتها وتقديمها، أو التوفيق بينها وبين متابعة المباريات: الواجبات المدرسية والمهام المنزلية. مع التحفيز بأن الخلاص من هذه الواجبات والمهام قبل المباراة يجعلهما يشاهدانها بذهن صافٍ دون قلق.

 

6- تعزيز الهوية الإسلامية والقدوة الحقيقية:

 

في هذه السن، يميل الأبناء لتقليد اللاعبين في قصات الشعر، والملابس، والحركات. وهنا يأتي دورك لغرس مفهوم القدوة الحقيقية والاعتزاز بالهوية.

 

قل لهم: «نحن نعجب بمهارة اللاعب الفلاني وسرعته، وهذا أمر مباح، لكن أخلاقنا وقيمنا نأخذها من ديننا ومن رسولنا ﷺ». حدِّثهم بحديث النبي ﷺ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» [رواه البخاري]، ليدركوا خطورة التعلق العاطفي المفرط بمن لا يشاركهم عقيدتهم وقيمهم.

 

ويمكنك استثمار النماذج الإيجابية من اللاعبين، بالتركيز على المسلمين منهم الذين يُظهرون اعتزازهم بالدين، أو يرفضون دعم الشعارات المخالفة للدين والفطرة، أو يساهمون في أعمال خيرية. اجعل هؤلاء محور الحديث لتبيِّن لهم أن التمسك بالهوية يرفع قدر الإنسان في كل محفل.

 

7- استوديو تحليلي عائلي:

 

بعد انتهاء كل مباراة مثيرة، اجلس معهم جلسة أشبه بـ«الاستوديو التحليلي» الذي يُعقَد في القنوات للتعليق على المباريات، وافتح معهم نقاشًا: ما سبب فوز هذا الفريق؟ وسيتحدثون عن التخطيط، والتعاون، والاجتهاد، وعدم الأنانية... إلخ. هنا قل لهم: «بالضبط! هذه كلها من قيم ديننا التي حث عليها في القرآن والسُّنة، والفريق الذي طبقها انتصر، فالدين يعلمنا أن التخطيط والأخذ بالأسباب والعمل الجماعي أساس النجاح». وهكذا.

 

8- تحويل المشاهدة إلى الممارسة:

 

أشركهم في نادٍ رياضي ليمارسوا اللعبة، فالممارسة تجعلهم يدركون أن الكرة مجرد مجهود بدني ولعبة، وليست حياة كاملة، كما أنها تفرغ طاقتها الحماسية. كما يفضل إشراكهم في أنشطة تنمي مهارات الذكاء والابتكار، ليروا نوعًا آخر من التميز البشري.

 

ولا مانع من تشتري لهم قمصان المنتخبات التي يحبونها (ما دامت منضبطة ولا تحمل شعارات ولا صورًا مُحرَّمة)، ولكن اشترط مقابل ذلك أن يختاروا بعض ملابسهم القديمة أو يقتطعوا جزءًا من مصروفهم للتبرع به للفقراء؛ لنربط متعة الاستهلاك والشراء بقيمة العطاء والمسؤولية.

 

وختامًا أخي الحبيب، إن وجودك في حياة أولادك، ومراقبتك الحريصة الواعية والمحبة لهما في هذه المرحلة الحرجة، هو صمام الأمان بإذن الله؛ لكن تذكَّر أن التربية عملية طويلة المدى، تحتاج إلى نَفَس طويل، وتغافل في مواضع، وحزم في مواضع أخرى.

 

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوب أبنائنا على دينك، اللهم اجعلهم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. اللهم ارزقهم التوفيق والسداد، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف نعالج هوس وفتنة الأبناء بلاعبي كرة القدم؟

في «كأس العالم».. كيف نعالج التأثر المَرَضي بنتائج المباريات؟

كيف أتخلَّص من التعصُّب الكروي وأستعيد حياتي؟

التعصب في حب كرة القدم