ابني يتربح من الألعاب الإلكترونية.. عمارة الأرض أولى

ابني المراهق يقضي وقتاً طويلاً في لعبة إلكترونية يقوم فيها ببناء مدن واصطياد وحوش افتراضية، واللعبة تمنحه عملات وأراضي افتراضية يقوم هو ببيعها للاعبين آخرين مقابل دولارات حقيقية يستلمها على حسابه البنكي؛ فهل المال الذي يكسبه من هذا اللعب حلال؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الشريعة الإسلامية جاءت بضوابط دقيقة تحكم تنمية الأموال واكتسابها، ووضعت حدودًا فاصلة بين الكسب الطيب النافع وبين أكل أموال الناس بالباطل. ومع الطفرة التكنولوجية وظهور الفضاءات الرقمية والألعاب الإلكترونية، استُحدثت صور جديدة للكسب عبر بيع الأصول والعملات الافتراضية، مما تطلب من الفقهاء المعاصرين إسقاط القواعد الشرعية على هذه المستجدات لبيان حلالها من حرامها، بما يضمن صيانة بيوت المسلمين وأبنائهم من الموارد المحرمة أو الشبهات.

 

اختصارًا: المال الذي يكسبه ابنك من بيع العملات والأراضي الافتراضية في هذه اللعبة حلال شرعًا بشرط خلو اللعبة من المحاذير الشرعية.

 

والعلة في ذلك أن الجهد المبذول في اللعبة من بناء مدن واصطياد وحوش وتطوير الحساب يُنتج "منافع وأصولاً رقمية" لها قيمة مالية معتبرة متموّلة عند اللاعبين الآخرين، وبيع هذه المنافع مقابل نقود حقيقية يدخل في باب "بيع المنافع" أو الجعالة المباحة. ولكن يشترط لاستمرار هذه الإباحة أربعة شروط:

 

· ألا تحتوي اللعبة على محرمات قطعية كالقمار، أو الميسر، أو ترويج الكفر والشرك والعرّافين.

 

· ألا يدفع الابن مالاً حقيقيًّا لشراء "صناديق الحظ" التي تعتمد على اليانصيب؛ لأن هذا قمار محرم.

 

· ألا تشغله اللعبة عن الواجبات الشرعية كالصلاة، أو الواجبات الدنيوية كالدراسة وبر الوالدين.

 

· ألا يكون هناك غش أو خداع للاعبين الآخرين في البيع.

 

وللأمانة العلمية فإن توافر هذه الشروط في الواقع شبه مستحيل؛ فالأبناء القادرون على ضبط أنفسهم ليوازنوا بين الترفيه والواجبات أندر من الكبريت الأحمر، وإن وجدوا فستكون اهتماماتهم غير هذه السفاسف، ووجود اللعبة الخالية من كل هذه المحاذير لهو أندر من الندرة ذاتها؛ فالمطورون للألعاب الكبرى التي يمكن الربح منها لا يعبؤون بمفهوم الحلال والحرام أصلاً، وكل هدفهم منصب على الربح من كل وجه، فالنصيحة للآباء أن ينأوا بأبنائهم عن هذا السبيل، وفي طلب الرزق الذي ينتج عمارة الأرض متسع ومأوى.

 

أولاً: تكييف "المالية" في الأصول الرقمية والألعاب:

 

اشترط الفقهاء قديمًا وحديثًا في الشيء المَبيع أن يكون "مالاً متقوّمًا" له قيمة ومنفعة مقصودة عند الناس. والأصول الرقمية في الألعاب الحديثة أصبحت ذات قيمة مالية متموّلة لتعلق رغبة الناس بها وبذل المال في مقابلها.

 

من الفقه الحنفي قديمًا في تعريف المال: جاء في حاشية ابن عابدين 4/ 501:

 

"المال: ما يميل إليه الطبع ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، والمالية تثبت بتمول الناس كافّة أو بعضهم". وحيث إن هذه العملات والأراضي داخل اللعبة يتمولها مجتمع اللاعبين ويبذلون فيها المال، فقد ثبتت لها مالية عرفية رقمية.

 

قرار المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته الـ 31: بشأن الكسب من الألعاب الإلكترونية، جاء فيه:

 

"يجوز الكسب من الألعاب الإلكترونية وتطوير الحسابات وبيعها إذا كانت اللعبة مباحة في أصلها، ولا تشتمل على قمار أو محرمات، وكان البيع مبنيًا على تراضي الطرفين دون غش".

 

فتوى دار الإفتاء الأردنية الرقم 3604: بشأن حكم بيع ومبادلة أصول الألعاب الإلكترونية:

 

"بيع الحسابات في الألعاب الإلكترونية أو محتوياتها من أدوات ونقاط افتراضية جائز شرعًا، بشرط أن تكون اللعبة نفسها مباحة، وألا يترتب على اللعب صدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، أو إلحاق ضرر بالدراسة والواجبات".

 

ثانيًا: التحذير من شبهة القمار صناديق الحظ والصد عن الواجبات:

 

يرى العلماء المعاصرون أن الكسب يتحول إلى حرام إذا دخلت فيه آلية الميسر، كأن يدفع اللاعب مالاً حقيقيًّا ليفتح صندوقًا غامضًا قد يخرج له فيه وحش نادر أو لا يخرج له شيء.

 

من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 15/ 193:

 

"الألعاب التي تشتمل على جوائز يدفع اللاعب في مقابلها مالاً ليحصل عليها بطريق القرعة أو الحظ، هي من الميسر والقمار المحرم، ولا يجوز اللعب بها ولا كسب المال منها".

 

موقف الإمام الغزالي من اللعب المشغل: جاء في إحياء علوم الدين 2/ 275 في ضابط اللعب المباح: "كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلوات فهو حرام... وإنما يباح من اللعب ما فيه ترويح للنفس لا يقطع واجبًا ولا يستغرق الأوقات".

 

القواعد الفقهية الحاكمة:

 

قاعدة: "الأصل في العقود والمعاملات الإباحة"

 

بما أن عملية البيع والشراء تتم برضا الطرفين الابن والمشتري على شيء فيه منفعة مقصودة داخل بيئة اللعبة، فإن المعاملة تظل على أصل الإباحة ما لم يثبت نص خاص يحرم هذه اللعبة بعينها.

 

قاعدة: "العُرف مُحكّم"

 

تُطبق هذه القاعدة في إثبات "مالية" الأشياء المعنوية والرقمية؛ فحين تعارف الناس في العصر الحديث على أن الحسابات الرقمية والعملات الافتراضية هي أصول ذات قيمة يُمكن بيعها وشراؤها، اعتبرها الشارع مالاً يجوز التجارة فيه صيانة لتعاملات الناس.

 

قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد"

 

إذا كانت وسيلة كسب هذا المال وهي اللعبة خالية من الغش والقمار والشركيات، ولم تؤدّ بمقصدها إلى تضييع الصلاة أو إهمال التعليم، فالوسيلة مباحة والكسب الناتج عنها حلال. أما إذا أدت اللعبة إلى تضييع الواجبات، تنقلب اللعبة إلى الحرمة ويحرم الكسب تبعًا لها. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

الألعاب الإلكترونية مكاسب متراكمة أم عمر ضائع

حكم شراء الصناديق العشوائية.. المحاذير والموانع

الألعاب الإلكترونية.. ضوابط الإباحة وأسباب التحريم