هل يجوز الحرمان من الميراث اعتمادا على فحص "DNA"

نحن أربعة إخوة، وبعد وفاة والدنا حصل خلاف شديد بيننا على التركة، فقام أحد إخوتي خفيةً بإجراء فحص (DNA) وأظهرت النتيجة أن أخينا الأكبر لا يشترك معنا في الأب، وهو الآن يهدد برفع النتيجة للمحكمة لحرمانه من الميراث؛ فهل يجوز شرعاً نفي نسب أخي المستقر منذ عقود بناءً على هذا الفحص المخبري؟

الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تُعد مسائل الأنساب في الشريعة الإسلامية من أخطر الحقوق اللصيقة بكرامة الإنسان وحرمة الأسرة، وقد أحاطها المشرّع الحكيم بسياج منيع من الضوابط الشرعية التي تمنع التلاعب بها أو زعزعتها، خاصة إذا استقرت لعدة عقود، والشريعة الإسلامية أولت حفظ النسل والنسب عناية فائقة، وجعلته إحدى الضروريات الخمس التي دارت حولها الأحكام. وقد وضع الشارع ضوابط صارمة لإثبات النسب ونفيه، تغليبًا للستر، وحماية للمجتمع من التفكك، ومنعًا لإشاعة الفاحشة والضغائن بين الأقارب. ونعبر عن أسفنا لما آل إليه الخلاف بين الإخوة بسبب حطام الدنيا والتركة.

 

ومن النوازل المعاصرة الشائعة مسألة الاعتماد على فحص البصمة الوراثية لنفي الأنساب المستقرة ظاهراً منذ عقود، وتوظيف هذه التقنية الطبية في فض الخصومات المالية على المواريث، وإن النظر الفقهي في هذه المسألة لا يقف عند حدود الدقة المخبرية للفحص، بل ينظر إلى المقاصد الشرعية الكلية في صيانة الأنساب، ومدى مشروعية استخدام هذا الفحص في هدم الفراش المستقر قانونًا وعرفًا.

 

اختصارًا: يحرم شرعًا غاية التحريم نفي نسب الأخ الأكبر المستقر منذ عقود بناءً على فحص البصمة الوراثية الذي تم خفية، ولا يجوز رفع هذه النتيجة للمحكمة لحرمانه من الميراث، ويأثم الأخ الذي قام بهذا الفعل إثمًا عظيمًا.

 

واتفق العلماء والهيئات الفقهية المعاصرة على أن البصمة الوراثية لا تُستخدم مطلَقًا لنفي الأنساب المستقرة، وأن طريق نفي النسب الوحيد في الإسلام بعد ثبوته بالفراش هو "اللعان" بين الزوجين في حياة الأب وبشروطه، وليس الفحص المختبري بعد وفاة الأب، وبالتالي يظل الأخ الأكبر أخًا شرعيًّا صحيح النسب، ويرث نصيبه كاملاً غير منقوص، ويُعتبر الفحص المخبري في هذه الحالة باطلاً ولا قيمة له في إسقاط الحقوق الشرعية.

 

وتفصيلاً: فقد بنى الفقهاء قديمًا حكم استقرار النسب على الفراش والستر، وقررت المجامع الفقهية حديثاً ضوابط البصمة الوراثية:

 

1. تأصيل الفقهاء قديماً في إثبات النسب بالفراش ومنع نفيه

 

اتفق الفقهاء على أن الولد يلحق بصاحب الفراش بمجرد قيام الزوجية المستقرة، ولا يجوز لأحد من الورثة أو الأقارب الطعن في هذا النسب بعد ثبوته واستقراره، لما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ قال: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ». فالمعيار الشرعي الأول والأقوى هو الفراش الزوجي.

 

منع الورثة من نفي النسب بعد موت الأب:

 

جاء في المغني لابن قدامة: «إذا مات الرجل وترك أولادًا استقر نسبهم، فليس لأحد من الإخوة أو العصبة أن ينفوا نسب أحدهم بغير اللعان، واللعان لا يكون إلا من الزوج في حياته؛ فإذا مات الأب انقطع خيار النفي، ولحق النسب بالمتوفى ظاهرًا وباطنًا في أحكام الدنيا، ولا يُسمع قول من طعن فيه».

 

تغليب الشريعة للستر على الفضيحة:

 

جاء في حاشية ابن عابدين من فقه الحنفية: «النسب يحتاط في إثباته ما لا يحتاط في غيره، ويُتلوّن فيه ويبحث عن أدنى احتمال لإثباته، ويسد الباب تمامًا عن نفيه طالما ولد على الفراش، طردًا لمعرة الزنا والفضائح عن الأسر».

 

2. آراء الهيئات والعلماء حديثاً في البصمة الوراثية

 

درست المجامع الفقهية نازلة البصمة الوراثية بدقة، ووضعت خطوطاً حمراء لمنع استخدامها في هدم الأسر:

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي: في قراره رقم 123 7/13 بشأن البصمة الوراثية، نص صراحة على ما يلي:

 

«أولاً: لا يجوز شرعًا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على الفراش المستقر. ثانيًا: يحرم استخدام البصمة الوراثية بقصد طعن الأنساب أو التفتيش فيها من قِبل الأقارب أو الأفراد، لما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة في هتك الأعراض وتفكك الأسر».

 

قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي: في دورته السادسة عشرة، قرر ما نصّه:

 

«إن البصمة الوراثية يجوز استخدامها في حالات محددة كالتنازع على مجهولي النسب، وفي حالة الكوارث والقتلى الذين لم تعرف هوياتهم، أما في الأنساب الثابتة مستقرة الفراش؛ فإنها محرمة، ولا يجوز للقضاء القبول بها لنفي نسب مستقر».

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

تتحكم في هذه النازلة الكبيرة عدة قواعد فقهية تقطع ببطلان تصرف الأخ واستحقاق الأخ الأكبر للإرث:

 

قاعدة "النسب لا ينتفي بعد ثبوته":

 

بما أن نسب الأخ الأكبر قد ثبت بيقين الفراش الزوجي لوالدكم وعاش بينكم عقودًا من الزمن منسوبًا إليه، فإن هذا اليقين لا يزول بظن الفحص المخبري المستحدث بعد وفاة الأب؛ فالنسب الثابت مستقر لا يملك أحد رفعه أو نقضه.

 

قاعدة "اليقين لا يزول بالشك":

 

فراش الأب واستقرار العائلة لسنوات طوال هو اليقين الشرعي والقانوني، وفحص البصمة الوراثية الذي جرى بطرق خفية وتحتمل الخطأ البشري في العينات أو التزوير يظل في دائرة الشك، واليقين المستقر لا ينهدم أمام الشك الطارئ والمحرم أصلاً.

 

قاعدة "الشرع متشوف للستر متشوف لإثبات النسب":

 

تقيم الشريعة أحكامها في الأنساب على الصيانة والستر، فإذا تعارض فحص طبي يثبت عدم الاشتراك الجيني مع حكم الفراش الشرعي، قُدم الفراش إعمالاً لقيمة الستر ومنعًا لتشويه سمعة الأم المتوفاة أو الطعن في عرضها بعد مماتها.

 

قاعدة "المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة":

 

مصلحة الأخ الذي فحص هي مصلحة مالية خاصة وممتدة زيادة نصيبه من التركة بتعديل القسمة، أما مصلحة صيانة الأنساب واستقرار الأسرة وعدم هتك الأعراض فهي مصلحة عامة كبرى؛ وحسب القواعد، تُهدر المصلحة المالية الخاصة التافهة لحفظ صيانة الأعراض والمجتمعات. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

حجية القرائن المعاصرة في الإثبات القضائي.. تطبيق على البصمة الوراثية

الهندسة الوراثية.. حكمها وضوابط استعمالها