<p>يوجد في كثير من بلاد المسلمين لاجئون بسبب الحروب والنزاعات حول العالم، والغالبية العظمى من هؤلاء اللاجئين مسلمون، وبطبيعة الحال فإن معظمهم يعانون ضيق ذات اليد، بسبب الاغتراب القسري، وفي معظم تلك البلاد مؤسسات تجمع الزكاة فهل ينبغي لها أن تنفق من سهم "ابن السبيل" لتغطية احتياجات هؤلاء اللاجئين؟ ولكم جزيل الشكر</p>
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، يرتبط مفهوم
"ابن السبيل" في الفقه الإسلامي ارتباطًا وثيقًا بالانقطاع والغربة، وهو
ما يجعله من أدق المصارف انطباقًا على نازلة اللاجئين المعاصرة الذين ألجأتهم
الحروب إلى مغادرة أوطانهم وتجريدهم من ممتلكاتهم.
وإن الشريعة الإسلامية شريعة التكافل والرحمة، لم تترك
المغترب والمنقطع بعيدًا عن دياره دون رعاية، بل جعلت له نصيبًا مقدرًا وفرضًا
واجبًا في أموال الزكاة. ومن النوازل الإنسانية المتكررة في عصرنا الحاضر قضية
"اللاجئين" الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق، ووجَدوا أنفسهم في
بلاد غربة يعانون ضيق ذات اليد وقسوة اللجوء.
وإن التكييف الفقهي للاجئ المعاصر يضعه في قلب مصرف
"ابن السبيل"؛ إذ إن علة الحكم في هذا المصرف هي الانقطاع عن الوطن
والمال، وهو عين ما يتحقق في اللاجئ المخرج قسرًا، مما يستوجب فحص الشروط الفقهية
لتفعيل هذا السهم تلبيةً لحاجاتهم وحفظًا لكرامتهم وأعراضهم.
اختصارًا: يجوز ويشرع للمؤسسات الرسمية والجمعيات الأهلية المعنية بجمع الزكاة أن
تنفق من سهم "ابن السبيل" لتغطية كافة احتياجات اللاجئين الأساسية،
ويُعد اللاجئ المعاصر "ابن سبيل" حقيقياً لأنه شخص منقطع في غير بلده،
ولا يملك القدرة على الوصول إلى ماله أو بيته في وطنه الأصلي بسبب ظروف الحرب
والنزاع، حتى وإن كان غنيًّا في أصله قبل الحرب، والأمر بطبيعة الحال مرتبط بحاجته
وفقره، فلو كان اللاجئ قادرًا على كسب ما يكفيه، فلا نصيب له في الزكاة.
حد الصرف: يُعطى
اللاجئ من سهم "ابن السبيل" ما يكفيه لتأمين معيشته المستقرة في بلد
اللجوء من مسكن، ومأكل، وتعليم، وعلاج أو ما يبلغه مأمنه، ولا يُشترط تكليفه
بالعودة إلى بلده إذا كان في ذلك خطر على حياته أو دينه.
ولقد تضافرت أنظار الفقهاء قديمًا وحديثًا على أن من
انقطع عن ماله ودياره يُسد خلله من أموال الزكاة باعتباره ابن سبيل:
1. آراء الفقهاء قديمًا في تعريف ابن السبيل واستحقاقه
تعريف ابن السبيل: اتفق الفقهاء على أن المنقطع في بلد الغربة يستحق الزكاة لعلة
انقطاعه، جاء في تفسير القرطبي: «ابن السبيل: هو المسافر المنقطع به عن ماله...
فيُعطى من الصدقة ما يبلغه إلى مقصده أو يعود به إلى بلده وإن كان غنيًّا في
بلده»، وقرر الفقهاء أن العبرة بالحاجة الحالية في بلد الغربة.
جاء في المغني لابن قدامة: «والثامن: ابن السبيل، وهو
المسافر المنقطع به... ويُعطى وإن كان غنياً في بلده إذا كان فقيرًا في موضع
سَفره، لا خلاف في هذا بين أهل العلم».
وجاء في روضة الطالبين للإمام النووي: «ويشترط في ابن
السبيل الحاجة، وألا يكون سفره في معصية... ويُعطى ما يبلغه مقصده أو ماله وإن كان
له مال في غير ذلك البلد».
2. آراء الهيئات والعلماء حديثًا في تنزيل الحكم على
اللاجئين
قرارات الندوة السابعة لقضايا الزكاة المعاصرة:
بحثت الندوة أحوال المهجرين قسرًا وأقرت ما يلي: «إن
المسلمين الذين أُخرجوا من ديارهم لسبب شرعي أو اضطرار ملجئ، كالحروب والفتن، ولم
يجدوا نفقات معيشتهم، يُعدون من أبناء السبيل فيُعطون من هذا السهم ما يسد حاجاتهم
الأصلية من مأوى ونفقة وعلاج وتأهيل للعمل».
الهيئة الشرعية العالمية للزكاة:
أكدت في فتاواها أن: «وصف ابن السبيل ينطبق تمامًا على
اللاجئين والمبعدين عن أوطانهم بسبب الفتن والحروب، والذين تجمدت أموالهم أو دُمرت
في بلادهم، فيجوز صرف الزكاة لهم من هذا السهم لسد الكفاية الحالية، ولا يُطالبون
بالعودة ما دام المانع قائماً».
فتوى الشيخ ابن باز رحمه الله:
سُئل عن المهجرين والمنقطعين من المسلمين بسبب الحروب،
فأجاب بـ: "جواز دفع الزكاة لهم لأنهم يجمعون بين الفقر والانقطاع في الغربة
ابن السبيل، فدفع الزكاة لهم فرج ومصلحة عظمى".
القواعد الفقهية الحاكمة
تستند مشروعية الصرف للاجئين من سهم ابن السبيل إلى عدة
قواعد فقهية كلية:
قاعدة "المشقة تجلب التيسير":
اللاجئ الذي فقد وثائقه وممتلكاته يمر بمشقة غير معتادة؛
لذا تيسر الشريعة في إثبات استحقاقه للزكاة، ويُصدق بظاهر حاله المتمثل في كونه
مهجرًا قسريًّا، دون تضييق عليه في شروط الاستحقاق.
قاعدة "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو
خاصة":
حاجة اللاجئين إلى الاستقرار وتأمين المأوى والتعليم
لأولادهم في بلد اللجوء هي حاجة ملحة وملجئة تماثل الضرورة؛ لذا يُصرف لهم من سهم
"ابن السبيل" حد الكفاية الذي يرفع عنهم هذه الحاجة ويثبت أقدامهم في
مواجهة ظروف الاغتراب.
قاعدة "الأحكام بمقاصدها":
مقصد الشريعة من سهم "ابن السبيل" هو سد خَلّة
الغريب وحمايته من ذل الحاجة في بلد ليس له فيه جدار يستند إليه؛ وحيث إن هذا
المقصد يتحقق تمامًا في كفالة اللاجئ وإيوائه، فإن الصرف له يكون ممتثلاً للمقصد
الشرعي من آية المصارف.
قاعدة "التابع تابع":
يتبع اللاجئَ في بلد اللجوء أولادُه وعائلتُه الذين لا
يستطيعون التكسب؛ فيُعطون تبعًا له من سهم ابن السبيل لتغطية نفقاتهم باعتبارهم يدًا
واحدة منقطعة عن المأمن والمال. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
العقاب الجماعي للمهاجرين بسبب سلوك بعضهم وحكمه