احترق أثاثي في ورشة النجارة بلا تقصير منهم.. فهل يضمنون؟

أعطيتُ نجاراً قطع أثاث لتجديدها، لكن ورشته احترقت بسبب التماس الكهربائي (قضاء وقدر) وضاع أثاثي، فهل النجار ملزم بتعويضي عن قيمة الأثاث؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فمرحبًا بكم أخي العزيز، وعوضكم الله خيرًا، وأخلف عليكم في مصيبتكم بالخير والبركة، الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ أموال الناس وضبط التعاملات والمعاملات المالية بين العباد على وجه العدل والإنصاف.

 

ومن العقود المشروعة عقد "الإجارة"، ويُصنّف النجار وأصحاب الحرف الذين يتقبلون الأعمال من عامة الناس تحت اسم "الأجير المشترك"؛ لأنه يعمل لعموم الناس ولا يختص بعميل واحد. وقد اعتنى الفقهاء بضبط أحكام تلف الأموال تحت يد الأجير المشترك، لبيان الحد الفاصل بين الأمانة والضمان، وبما يحفظ حق صاحب المال ولا يظلم الصانع.

 

اختصارًا:

 

• حكم التعويض: في واقعتكم المعروضة، حيث إن الحريق وقع بسبب "تماس كهربائي" قضاء وقدرًا وبدون تعمد، أو إهمال، أو تقصير، أو تفريط من النجار في اتخاذ وسائل السلامة المعتادة، فإن النجار لا يلزم بتعويضكم عن قيمة الأثاث عند جمهور الفقهاء الحنفية في المعتمد، الشافعية، والحنابلة؛ لأن يده يد أمانة، والأمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، والتلف هنا نشأ عن سبب قهري خارجي لا يد له فيه.

 

• أما عند المالكية وفي قول عند الحنفية، فالأصل عندهم أن الأجير المشترك يضمن ما تلف تحت يده مطلقًا لتضمين الصحابة له صيانة لأموال الناس، إلا إذا أقام البينة الدليل والشهود على أن التلف كان بسبب أمر غالب لا يمكن دفعه كالحريق العام أو الالتماس المفاجئ الذي عجز عن إطفائه؛ فإذا أثبت ذلك سقط عنه الضمان أيضًا، فإذا ثبت أن الحريق قضاء وقدر محض دون أدنى تفريط أو إهمال في شروط السلامة من النجار، فلا يجب عليه التعويض.

 

آراء العلماء قديمًا وحديثًا:

 

مذهب الشافعية والحنابلة والمعتمد عند الحنفية عدم الضمان في القضاء والقدر:

 

يرى جمهور الفقهاء أن الأجير المشترك كالنجار يده يد أمانة على الأعيان التي يستلمها من الزبائن ليصنعها أو يجددها. فإذا تلفت هذه الأعيان بسبب أمر سماوي أو حادث قهري لا يمكن الاحتراز منه كالتماس الكهربائي المفاجئ أو الحريق العام، ولم يثبت تقصيره في الإطفاء أو الحفظ، فلا ضمان عليه.

 

جاء في "الروض المربع" للبهوتي الحنبلي [ص310]: «ولا يضمن الأجير المشترك ما تلف بغير فعله، كالذي تلف بأمر سماوي، أو حريق، أو لصوص يغلبونه؛ لأن العين أمانة في يده، والأمين لا يضمن إذا لم يتعدَّ ولم يفرّط».

 

وجاء في "مغني المحتاج" للخطيب الشربيني الشافعي [ج3/ ص452]: «ولا يضمن الأجير المشترك ما تلف في يده بغير فعله، كالموت، والحريق العام، والسرقة المقترنة بـقهر وغلبة، إذا لم يقصّر في الحفظ؛ لأنها أمانة».

 

وجاء في "الهداية شرح البداية" للمرغيناني الحنفي [ج3/ ص241]: «المتاع أمانة في يد الأجير المشترك... فإذا تلف بغير صنعه لا يضمن؛ لأنه قبضه بإذن المالك للعمل فيه، فصار كالوديعة».

 

مذهب المالكية وقول عند الحنفية الضمان إلا إذا قامت البينة على السبب الغالب:

 

يرى المالكية والصاحبان من الحنيفة أبو يوسف ومحمد بن الحسن أن الأجير المشترك يضمن أموال الناس صيانةً لها من الضياع، إلا إذا استطاع إثبات أن التلف حدث بسبب أمر قاهر وغالب كالحريق العام ولم يقصر في دفعه، وهو في مضمونه نفس الرأي السابق تقريبا وإن اختلفت العبارة.

 

جاء في "الشرح الصغير" للدردير المالكي [ج4/ ص42]: «ويضمن الأجير المشترك ما تلف عنده... إلا أن تقوم بيّنة على تلفه بأمر غالب لا يستطاع دفعه كحريق غالب، أو لصوص كثر، أو موت بطاعون؛ فلا يضمن حينئذ».

 

وفي "الدر المختار" للحصكفي الحنفي [ج6/ ص71]: «وقال الصاحبان: يضمن الأجير المشترك ما تلف في يده مطلقًا إلا من حرق ظاهر، أو غرق كلي، أو عدو غالب؛ وهو المختار للفتوى اليوم زجرًا للصنّاع».

 

الفتاوى المعاصرة:

 

الفتوى ومعظم القوانين المعاصرة على أن الحوادث الناتجة عن "الالتماس الكهربائي" تُعتبر من قبيل القضاء والقدر أو الحوادث المفاجئة التي تسقط الضمان عن الأجير المشترك، بشرط أن يثبت تقرير الدفاع المدني أو الجهات المختصة أن التمديدات كانت سليمة وفق المعتاد، ولم يكن هناك إهمال مثل ترك الأجهزة تعمل بعد انتهاء الدوام أو تحميل الشبكة فوق طاقتها. فإذا خلت الواقعة من التقصير، سقط الضمان قانونًا وفقهًا. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

ضمان الطبيب: حقيقته وحكمه وضوابطه