الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
1 - رقم الاستشارة : 4961
05/06/2026
السلام عليكم، أنا دايمًا بحاول أقرَّب من ربنا، وبحب ده، وبحب أعرف أكتر عن ديني، ودايمًا عندي يقين وحسن ظن كبير في ربنا.
ولكن بقالي شهر دايمًا طول ما أنا بصلي أو بدعي أو بعمل حاجة باجي فيها على نفسي عشان ربنا، يتسلل لفكري إن إيه الأدلة إن كل ده بفايدة، وأستغفر الله العظيم أن ربنا موجود؟
أنا دايمًا بقول إنه اختبار ووسوسة من الشيطان وبكمل وبحاول أحافظ على يقيني وإيماني بالله، بس محتاجة إجابتكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
مرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا، وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يثبت قلبك
على دينه، وأن يفيض عليك من طمأنينته وسكينته، وأن يصرف عنك نزغات الشيطان
ووساوسه، ويقر عينك بحلاوة اليقين ولذة الطاعة، ويجعلك من عباده المقربين الفائزين
في الدنيا والآخرة، وبعد...
فيا ابنتي، أطمئنك أولًا بأن هذه
الوساوس والهواجس التي تأتيك وتكرهينها وتستغفرين منها هي دليل على صحة إيمانك وقوته في قلبك. فقد جاء بعض الصحابة إلى النبي ﷺ وفي
صدورهم مثل ما تجدين تمامًا، فسألوه: إنَّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم
به، قال: «وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم، قال: «ذاك صريح الإيمان» [رواه مسلم].
وفي رواية أخرى أنهم قالوا: لَأن
يكون أحدنا حُمَمَةً (أي فحمًا محترقًا) أحبُّ إليه من أن يتكلم به، فقال ﷺ: «الحمد
لله الذي ردَّ كيده (الشيطان) إلى الوسوسة» [رواه أبو داود].
إن اللص لا يقتحم بيتًا خربًا
مظلمًا؛ لأنه ليس فيه ما يسرقه، وإنما يقصد البيت المليء بالكنوز والجواهر.
والشيطان رأى قلبك عامرًا بحب الله، مقبلًا على الطاعة، تبذلين جهدك وتجاهدين نفسك
لأجل رضا خالقك، فلم يجد بابًا يفسد به عليك طاعتك إلا باب الوسوسة في الأصول،
ليحزنك ويقعدك عن العبادة.
أين
تذهب جهودك؟
تأتيك الوساوس: ما الأدلة على أن
ما تقومين به من عبادة وجهد سيعود عليك بالفوائد؟!، وتظنين أنك تأتين على نفسك دون
مقابل!
حاشا لله يا ابنتي أن يضيع
لديه -سبحانه- مثقال ذرة. إن الله -عز جل- سمى نفسه الشكور، والشكور في حق
الله يعني أنه يتقبل العمل القليل ويعطي عليه الأجر الجزيل، ويشكر للمؤمن مجاهدته
لنفسه. قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكمْ إِن شَكرْتُمْ
وَآمَنتُمْ ۚ وَكانَ اللَّهُ شَاكرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147].
إن كل سجدة تسجدينها وأنت
تقاومين هذه الأفكار، وكل دعاء ترفعينه بقلب وجِل، وكل طاعة تأتين فيها على هواك
ورغباتك إرضاءً لله، هي مدَّخرة لك بوعود ربانية قاطعة لا تخلف: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]. و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَك حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا
عَظِيمًا﴾ [النساء: 40].
فالفائدة ليست مجرد شعور عاطفي
بالراحة نعيشه الآن؛ إن الفائدة هي بناء حقيقي لآخرتك، ونور في قبرك، وثبات على
الصراط، ورفعة في درجات الجنة. الشيطان يريدك أن تظني أنك تبذلين جهدًا عبثيًّا
لتتوقفي، فإذا علمت أن الله يرى ويشكر ويثيب على ألم المجاهدة، انقلب هذا الألم
إلى لذة.
دلائل
وجود الله العظيم
عندما يلقي الشيطان في روعك
سؤال: ما الدليل على أن الله موجود؟، تذكري أن وجود الله -سبحانه- أظهر من أن
يحتاج إلى دليل معقَّد، فهو الفطرة المزروعة في أعماقك، وهو هذا الكون البديع المحكم
الذي يحيط بك.
إن الأدلة المنطقية كثيرة،
ومنها:
1-
دليل الفطرة
أنت نفسك حين تقعين في كرب أو
يضيق بك أمر، يلتجئ قلبك تلقائيًّا إلى قوة عليا في السماء تطلبين منها العون
والمدد دون تفكير أو فلسفة. هذه القوة هي قوة الله سبحانه، وهذه هي الفطرة التي
فطر الله الناس عليها.
2-
دليل الخَلق والإتقان
هذا الكون الواسع، بحركته،
ونظامه، وتناسقه، لا يمكن عقلًا ولا منطقًا أن يكون قد وُجد صدفة أو من عدم. تأملي
في خلقك أنت، في دقات قلبك، في حركة عينيك، في تناسق أطرافك... قال تعالى: ﴿أَمْ
خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35].
وقد صاغ أحد الأعراب قديمًا
هذا الدليل العقلي الفطري ببساطة متناهية حين قال: «البعرة تدل على البعير، وأثر
السير يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل
على اللطيف الخبير؟».
إن وجود هذه الهواجس في عقلك مع
كراهيتك الشديدة لها واستغفارك منها، هو بذاته دليل على وجود الإيمان بالله في قلبك؛
إذ لو كنت لا تؤمنين به -حاشاك- لما شعرت بهذا القلق والرفض لهذه الأفكار!
حلول
عملية لقطع الوساوس
التعامل مع الوسواس لا يكون
بمناقشته ولا بمحاولة إيجاد ردود عقلية عليه أثناء الصلاة أو الدعاء؛ لأن مجاراة
الوسواس تفتحه كدوامة لا تنتهي. فإليك الخطة العملية النبوية التربوية للتخلص من
هذا العارض:
أولًا- الإعراض التام والقطع
الفوري:
بمجرد أن تبدأ الفكرة بالظهور
في عقلك وأنت تصلِّين أو تدعين، اقطعيها فورًا ولا تناقشيها. قولي لنفسك: «أنا
أؤمن بالله»، واستمري في صلاتك. يقول النبي ﷺ: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال:
هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله» [رواه
مسلم]. وفي رواية أخرى: «فليستعذ بالله ولْيَنتَهِ» [رواه البخاري]، وكلمة «لينتَهِ»
تعني القطع التام الفوري.
ثانيًا- الاستمرار في الطاعة:
أفضل طريقة لإغاظة الشيطان
وهزيمته ودحره، هي أن تستمري في طاعتك بالرغم من وجود الفكرة. فإذا قال لك: ما
الفائدة من الصلاة؟، فصلِّي صلاة أطول وأخشع. وإذا قال لك: لماذا تدعين؟، فأطيلي
في الدعاء وألحِّي. فعندما يرى الشيطان أن وسوسته تزيدك إقبالًا على الله، فإنه سييأس
وينصرف عنك.
ثالثًا- دوام الذِّكر والتحصين:
حافظي على أذكار الصباح
والمساء، وأذكار الأحوال، والأذكار المطلقة، وخصوصًا: «لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» مائة مرة يوميًّا، فإنها تكون
لك حرزًا من الشيطان.
رابعًا: طلب العلم لبناء المناعة:
لتغذية
عقلك وزيادة يقينك، لا بد من بناء من العلم الذي يوفِّر لك جدارًا فكريًّا وعقديًّا
يحميك من تسرب الشكوك. وأنصحك بمطالعة ومتابعة المنصات والقنوات الموثوقة والصفحات
التي يشرف عليها علماء وباحثون متخصصون في التعامل مع هذه الشبهات والوساوس برفق
وعلم ونضج، وبأسلوب يناسب الشباب.
فإن
سماعك وقراءتك لهذه المواد بانتظام -ولو لدقائق معدودة أسبوعيًّا- سيبني في عقلك مضادات
فكرية تجعل وساوس الشيطان تتهاوى وتتحطم فور ورودها، وينقلب قلقك الحالي إلى
طمأنينة ويقين راسخ كالجبال إن شاء الله.
وختامًا يا ابنتي العزيزة،
امضي في طريقك نحو الله، وثقي به، واعلمي أن هذه المرحلة ما هي إلا سحابة صيف
عابرة، ستمر وتتركك أشد عودًا، وأعمق إيمانًا، وأقوى يقينًا. إن الله -سبحانه
وتعالى- يحبك، ويرى مجاهدتك وصبرك على هذا الابتلاء، ولن يضيعك أبدًا.
اللهم يا مقلب القلوب
والأبصار، ثبِّت قلب ابنتنا الغالية على دينك. اللهم ارزقها يقينًا كاملًا، وإيمانًا
خالصًا. اللهم اشرح صدرها، ويسِّر أمرها، واصرف عنها همزات الشياطين. اللهم املأ
قلبها بحبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربها إلى حبك، واجعلها من الطائعين المخبتين
المستبشرين، واجمع لها بين خيري الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين. اللهم آمين.
ودُمْتِ في حفظ الله ورعايته وأمنه.