السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا امرأة متزوجة، وأشعر كل عام مع دخول عشر ذي الحجة بحزن وتقصير شديد. أسمع عن فضل هذه الأيام وعِظم الأجر فيها، وأتمنى أن أستغلها بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، لكن الواقع مختلف تماماً. فالأعمال المنزلية متراكمة، والأطفال يحتاجونني طوال الوقت، والطبخ والتنظيف وترتيبات العيد تأخذ معظم يومي، حتى إنني في بعض الأيام أنام وأنا أشعر أنني لم أقدّم شيئاً لله في هذه المواسم المباركة. أحياناً أشعر أنني محرومة من الأجر مقارنة بمن يتفرغون للعبادة أو يذهبون للحج، وأتساءل: هل يمكن أن تتحول هذه الأعمال اليومية نفسها إلى عبادة إذا احتسبت النية؟ وكيف أوازن بين واجبات البيت وبين اغتنام هذه الأيام دون أن أدخل في شعور دائم بالذنب والتقصير؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة في موقعك بوابة
الاستشارات الإلكترونية.
نعم
يا أختي الكريمة هذه أيام مباركة قال عنها النبي ﷺ: (ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ
أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ)، فلماذا تشعرين بالحزن؟ هل لأنك مضغوطة
ما بين إدارة وتنظيم البيت وطهي الطعام ومتابعة الأبناء؟ هل لأن ذلك يستغرق الوقت
كله فلا تجدين وقتًا للصلاة وقراءة القرآن؟ هل الشيطان يوسوس لك أنك محرومة من
الأجر ويحزنك بذلك؟
نعم
يا عزيزتي الشيطان لا يحرض الإنسان على المعاصي فقط، بل يدفعه للشعور بالذنب والعجز
والإحباط؟
هناك
فارق ضخم بين النقد الذاتي الموضوعي للتقصير في العبادة (إن حدث) وبين الشعور
بالذنب والعجز الذي يجعل الإنسان محبطًا.
أنت
عزيزتي تعرفين أن النية الصالحة تحول العادة لعبادة، وعلى الرغم من ذلك كأن داخلك
لا يصدق، أو كأن الشيطان لا يريد لك أن تصدقي أنك بنيتك قد تحصلين على أجر من ذهب
للحج وأجر من تفرغ للصلاة وقراءة القرآن.
لذلك
أريدك أن تستعيذي بالله من الشيطان الرجيم كلما داهمك شعور العجز والحرمان {إِنَّ
الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا
فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ}.
النية
والاحتساب
أختي
الكريمة، أنت بحاجة لثلاثة أمور حتى تشعري أنك استثمرت هذه الأيام العظيمة، وهي
بمثابة تدريب عملي لاستثمار حياتك ككل:
الأمر
الأول: استحضار النية الصالحة في كل عمل حتى لو نسيت
في بداية العمل استحضريها أيضًا (إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ وإنَّما
لِكلِّ امرئٍ ما نوى) فأنت عندما ترتبين أمور بيتك وأنت تنتوين أن يكون بيتًا هادئًا
منظمًا نظيفًا مريحًا تتحقق فيه معاني السكن ويربى فيه أبناء صالحون فهذه نية طيبة
صالحة تحول هذا العمل التقليدي الروتيني لعمل صالح يشبه ما أمر به الله عز وجل نبي
الله إبراهيم وإسماعيل {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ
طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} فكما
يطهر بيت الله الحرام من النجاسات المادية والمعنوية تطهرين بيتك ماديًّا بالتنظيف
والترتيب وتطهريه معنويًّا بمتابعة الأبناء وتربيتهم وتعليمهم.. هنا يتحول بيتك
لمسجد بنيتك وعملك {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً}.
العالم
خارج البيت مليء بالفتن والمغريات والخصومات وأنت تصنعين عالمًا موازيًا وآمنًا،
فهل هذا يعد قليلاً؟
فقط
أحسني نيتك واحتسبي عملك أو كما قال معاذ -رضي الله عنه-: إني لأحتسب نومتي
كما أحتسب قومتي.
إدارة
حياتك
الأمر
الثاني الذي أنت في أمس الحاجة إليه هو حسن إدارة حياتك وحسن إدارة وقتك المتاح، ويرتبط
بذلك أولويات الأعمال ومهارات التفويض.
ولو
أخذنا النموذج السابق المتعلق بترتيب وتنظيف البيت فلا بد أن يكون لذلك روتين خاص
بحيث تحققين أفضل نتيجة في أقل وقت، وهنا لا بد أن تستخدمي مهارة التفويض فلا بد
من تدريب الأبناء على المشاركة في إدارة المنزل، والحد الأدنى لذلك ترتيب حجرتهم
وأشيائهم الخاصة بحسب سنهم وقدراتهم بالطبع التي ينبغي ألا تستهيني بها، وحتى
أثناء تدريبهم على ذلك سيكون لك نية بل نوايا متعددة صالحة منها تدريب أبناء
أقوياء لديهم قدرات ومهارات حياتية، ومنها تعليم الأبناء قيمة التعاون والعطاء،
ومنها السعي لتوفير بعض الوقت والجهد يتم توجيهه لأعمال صالحة أخرى.
ضعي
قواعد واضحة وسهلة، وعلى سبيل المثال: عندما تجلسون في مجلس لا يقوم أي شخص
إلا بعد أن يحمل أدواته الخاصة التي لها أماكن تخزين محددة.
كل
ابن من الأبناء يمكن أن يقوم بالترتيب والتنظيف في يوم ما، ويمكن أن تقومي بمسابقة
بينهم فيتحول الأمر إلى أجواء مرحة وانتوي لذلك نوايا متعددة أيضًا.. منها بناء
ترابط أسري قوي ومنها نظافة البيت ومنها الحصول على بعض الوقت للعبادة، وهكذا في
كل أمورك.
نصيب
من العبادة
أيضًا
أنت بحاجة لإتقان مهارة الأولويات، ففي الأيام العشر لا تكون الأولوية للتنظيف
السنوي العميق للبيت الذي يستغرق كل الوقت وكل الجهد الذي يمكنك أن
تؤجليه لبداية السنة الهجرية أو لشهر شعبان مثلاً، والبيت إذا كان الاهتمام
به دائما فأنت لن تكوني بحاجة لجهد إضافي في هذه الأيام، بل هو الروتين التقليدي..
وإذا
كان لا بد من روتين أكثر عمقًا فقسميه على الأيام كلها وابتعدي عن يوم الجمعة وعن
يوم عرفة، واجعلي هذه أيام للذكر والصلاة وقراءة القرآن والتأمل، فليس معنى أن
العادات تتحول لعبادات بالنية ألا يكون لك نصيب من العبادة، وهذا هو الأمر
الثالث أن تخصصي أوقاتًا معينة تتفرغين فيها للعبادة مثل يوم عرفة الذي
يجب أن تنتهي أعمال التنظيف قبله، ويمكنك غلق حجرات المنزل عدا حجرة المعيشة التي
سيكون على الأبناء الاعتناء بها في هذا اليوم، حتى طعام إفطار يوم عرفة يكون مجهزًا
من الليلة التي تسبقها.
وبذلك
تقضين يوم عرفة في العبادة وقلبك هناك مع الحجيج وأنت تسألين الله عز وجل أن يبلغك
حج بيته الحرام عاجلاً غير آجل.. ادعي بحرارة وإخلاص، وثقي أنك مثابة على هذه
النية {فَمَنْ هَمّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ
حَسَنَةً كَامِلَةً} قال ابن حجر في الفتح: قال الطوفي: إنما كتبت الحسنة
لمجرد الإرادة؛ لأن إرادة الخير سبب إلى العمل، وإرادة الخير خير؛ لأن إرادة الخير
من عمل القلب.
أختي
الكريمة، أحسني الظن بالله تعالى واسأليه التوفيق والتيسير وأن يشرح صدرك وييسر
أمرك ثم توكلي عليه.. اسأل الله سبحانه وتعالي أن يرزقك الخير كله عاجله وآجله،
وتابعيني بأخبارك.
روابط
ذات صلة:
ما الأعمال الصالحة المستحبَّة في عَشر ذي الحجة؟
برنامج عملي للأسرة في ذي الحجة