كيف أنقذ عقلي من متلازمة بوليانا؟

<div>هل يمكن أن يكون التفكير الإيجابي سامًّا ومؤذيًا؟ وكيف نحقق التوازن ونخلص عقولنا من هذه السذاجة في التفكير؟</div>

أخي الكريم، الحفاظ على العقل واجب شرعي، وكذلك تحريره من الأوهام والقيود ضرورة حتى يؤدي وظيفته، ومن الأشياء المعيقة للعقل الإفراط في التفاؤل والإيجابية، حيث يبدو العقل ساذجًا وسطحيًّا عند النظر والتفكير، وهذه الحالة يسميها البعض "الإيجابية السامة"، ويطلق عليها أيضًا "متلازمة بوليانا".

 

ما هي "متلازمة بوليانا"؟

 

"متلازمة بوليانا" هي حالة تصف التفاؤل المفرط، والذي يكون أقرب للسذاجة، و"متلازمة بوليانا" مشتق من رواية للأطفال صدرت عام 1913، من تأليف الروائية الأمريكية "إليانور إتش بورتر"، وهي تصف حالة فتاة تبحث في كل موقف عما يحقق لها السعادة، ومن هذه الرواية تم استعارة اسم بطلتها "بوليانا" التي كانت تنظر لكل شيء بإيجابية مفرطة، فكان هناك تحيز مفرط ولا واع للتفاؤل، يتم فيه غض النظر عن المخاطر والسلبيات.

 

أخي الكريم، التفاؤل الدائم له جانب مظلم، فحسب تلك المتلازمة يظل الشخص متفائلاً ومحبًّا للحياة بشكل قد يكون عنيدًا للغاية رغم الواقع المفتقر لأسباب هذا التفاؤل.

 

التفاؤل المفرط يرتكز على نهج نفسي وهو "الإنكار"، إذ ينكر العقلُ العوائقَ الموجودة في الواقع؛ لأن الانجراف إلى التفاؤل في ظل ظروف لا تستدعيه ولا يوجد مؤشرات على إمكانية حدوثه، يقود إلى الإحباط.

 

فالتفاؤل المفرط ليس حالة بهجة وسعادة عارمة، ولكن الوجه الآخر هو إنكار للواقع، وهنا تكمن المشكلة الحقيقة؛ فالتحيز إلى المشاعر الذاتية والتصورات المسبقة، هو خلل عقلي وقصور في التفكير.

 

وإذا كان إنكار الواقع هو آلية نفسية لعدم الاعتراف بالواقع والحقائق والتجارب الموضوعية، سعيًا للراحة واليقين الآمن؛ فالإنكار يحمي الأنا من الانزعاج والقلق والتوتر، وهذا الاستخدام قد يكون ضارًّا خاصة عندما تتوافر الحقائق والأدلة.

 

وهذه المتلازمة هي تشوه معرفي، وهي تتضمن ثلاثة عناصر أساسية، هي:

 

* الانتباه الانتقائي: وهو يُعطي الأولوية لمعالجة المعلومات الإيجابية مع تجاهل الأدلة المتناقضة.

 

* إعادة صياغة معرفية تُحوّل المواقف السلبية الحقيقية إلى مواقف إيجابية من خلال التلاعب اللغوي بدلاً من التقييم المتوازن.

 

* كبت المشاعر حيث تُنكر المشاعر السلبية بدلاً من معالجتها؛ ما يؤدي إلى استجابات عاطفية متأخرة أو غير مناسبة.

 

ابتعد عن زيف التفاؤل

 

التفاؤل المرن: العلاج يكمن في إصلاح التصورات، وتخفيض الرؤية التفاؤلية المفرطة، نحو ما يمكن أن نسميه تفاؤلاً مرنًا، أي أن تكون الروح مفعمة بالتفاؤل، لكن العقل حاضر بقوة في قراءة الواقع وفهمه وإدراكهما دون تغييب أو حجب للصورة الكلية، ولذا فإن الجمع بين الأمرين، هو أفضل خيار؛ لأنه يربط الحماسة بالعقل، والعاطفة بقوة المنطق، وهذا الدمج يلغي الزيف الذي يضفيه التفاؤل على التفكير.

 

الخطة البديلة: ومما يواجه روح التفاؤل السامة هو أن يتبنى الشخص ما يمكن تسميته بالخطة البديلة، فوجود خطة بديلة، ووجود خطة لمواجهة أي خسائر أو إخفاقات أو عقبات قادمة، هو في الحقيقة تخفيض لسقف التفاؤل بمعطيات الواقع ومقتضياته.

 

ورغم أن هذه الإيجابية المفرطة لها تأثيراتها السلبية على العقل والتفكير، فإن الطب النفسي يلجأ إليها في بعض الحالات لعلاج بعض الأشخاص الذين وصل بهم اليأس والسوداوية إلى مرحلة خطرة للغاية، ففي هذه الحالة يتم معالجة الروح وذلك من خلال إضفاء معنى وهدف على المعاناة، وتهوين حدة المأساة والضغوط، ورسم مسار للأمل رغم صعوبة ذلك الشديدة، وهذا النوع من العلاج يحتاج إلى قدر من الحكمة والوعي؛ لأن الإسراف فيه يؤدي لكوارث ونتائج عكسية وإحباطات مؤلمة.

 

موضوعات ذات صلة:

كيف أتخلص من التفكير العاطفي؟

كيف يؤثر التفكير السلبي على حياتنا وأفكارنا؟

لماذا ترفض عقولنا التغيير؟

هل كتمان المشاعر والأسرار يضر بطاقتنا النفسية؟

لماذا تضخم عقولنا بعض مخاوفنا؟

كيف تؤثر متوالية الزجاج المكسور في تكرار العنف؟