هل يجوز أن يكفر الابن عن أيمان والده من ماله الخاص مع إن الوالد لديه مال كاف لكنه مريض ولا يستطيع الابن أن يأخذ موافقة الأب على الأخذ من ماله؟ مع العلم أن الأب كان كثير الحلف بالله في حال صحته ويغلب على ظن الابن أن والده لم يكن يكفر عن الأيمان التي حنث فيها؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلا بك أخي الكريم. وجزاك الله خيرًا على حرصك على بر والدك وتبرئة ذمته أمام
الله عز وجل، فهذا من أسمى مراتب الإحسان والوفاء، وإليك تفصيل الحكم الشرعي في
هذه المسألة.
اختصارًا: يجوز
للابن التكفير عن أيمان والده من ماله الخاص، على سبيل الندب وليس على سبيل
الوجوب، ويُعد ذلك من صور البر والإحسان إليه، وتبرأ بها ذمة الوالد إن شاء الله.
وإذا كانت الأيمان على أفعال مختلفة، وجب لكل يمين كفارة مستقلة، أما إذا كرر
اليمين على شيء واحد ولم يكفر عن المرة الأولى، فتكفيه كفارة واحدة عند جمهور
العلماء.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
•
قاعدة النيابة في العبادات المالية: الأصل في
العبادات المالية المحضة كالزكاة والكفارات أنها تقبل النيابة، بخلاف العبادات
البدنية المحضة كالصلاة.
•
قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور: إذا عجز الوالد عن مباشرة الكفارة
بنفسه لمرضه أو عدم إدراكه، لم يسقط حق الله في الكفارة، ويؤديها عنه من استطاع من
ذويه.
•
قاعدة الأصل براءة الذمة: السعي في إبراء ذمة الوالد من الحقوق
المالية المتعلقة بالله الكفارات هو إحسان مأذون فيه شرعًا ومندوب إليه.
تفصيل
الحكم الشرعي في التكفير عن أيمان متعددة:
اختلف
الفقهاء في تعدد الكفارات بتعدد الأيمان، والراجح والمعمول به هو:
1. اتحاد المحلوف عليه: إذا حلف الوالد على شيء واحد مرارًا مثل: والله
لا أدخل بيت فلان، والله لا أدخل بيت فلان، وحنث في ذلك، فتلزمه كفارة
واحدة فقط عن جميع هذه الأيمان، ما لم يكن قد كفر عن اليمين الأول قبل
حلف الثاني.
2. تعدد المحلوف عليه: إذا كانت الأيمان على أمور متنوعة مثل: يمين على
عدم الأكل، ويمين على عدم السفر، ويمين على عدم البيع، فلكل يمين كفارة
مستقلة عند جمهور الفقهاء؛ لأن لكل يمين حكمًا مستقلاً.
3.
في حال الجهل بالعدد: إذا كان الوالد يكثر الحلف ولا
يُعرف عدد الأيمان يقينًا، فالواجب هو التكفير بما يغلب على ظنك أنه يبرئ ذمته،
أخذًا بالأحوط.
تفصيل
الحكم الشرعي في مشروعية التكفير نيابة عن الوالد في حال مرضه:
أولاً:
من حيث المادة المالية من مال الابن:
يجوز
شرعًا أن يتبرع الابن بدفع الكفارة عن والده من ماله الخاص، ولا يشترط أن تكون من
مال الوالد، ويُعتبر هذا المال بمثابة الصدقة أو الهبة للوالد لسداد دينه تجاه
الخالق سبحانه وتعالى.
ثانيًا:
من حيث النيابة وعدم القدرة على أخذ الإذن:
بما
أن الوالد مريض ولا يمكن أخذ موافقته سواء لغياب الوعي أو لعدم القدرة على
الإدراك، فإن فعلك هنا يندرج تحت "الإحسان المحض" وتصرف
الولي بالنفع المحض.
•
شبه العلماء الكفارة بالدين، وقضاء الدين عن الغير جائز بغير إذنه وتبرأ به ذمته،
فكذلك كفارة اليمين تبرأ بها ذمة الوالد إذا أخرجها الابن عنه.
• بما أن الوالد في حال صحته كان يحنث ولا يكفر، فإن ذمته مشغولة
بحق لله، وقيامك بهذا العمل هو من باب إنقاذه من التبعة والوزر.
هل
هذا من البر أم من الواجبات؟
•
من حيث البر: هو من أعظم صور البر؛ لأنه إحسان يتعلق بنجاة
الوالد في الآخرة وتخليص نفسه من حقوق الله العالقة بذمته.
• من حيث الوجوب: لا يجب عليك شرعًا دفع الكفارات عن
والدك من مالك الخاص، فالوجوب يتعلق بمال الوالد نفسه. ولكن تبرعك بذلك هو عمل
صالح مأجور عليه بإذن الله.
عند
إخراج الكفارة، استحضر نية التكفير عن والدك، وكفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين
وجبة مشبعة لكل مسكين أو كسوتهم. وإذا صعب عليك الإطعام المباشر، يمكنك توكيل
جمعية خيرية موثوقة لتقوم بذلك نيابة عنك بالقيمة المالية المحددة شرعًا.
جبر
الله قلبك في والدك، وتقبل منك صالح أعمالك. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: