في التعدد العدل مقصود الشريعة وليس المساواة

"رجل متزوج من اثنتين، الأولى في بيت ملك والثانية في بيت إيجار. الآن يريد شراء بيت للثانية ليوفر قيمة الإيجار، فاعترضت الزوجة الأولى وطالبت بمبلغ نقدي يعادل قيمة البيت الجديد ليكون هناك عدل في العطية بينهما. هل العدل في النفقة يشمل تمليك الأصول (البيوت) أم يكفي توفير السكن المناسب لكل منهما؟"

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً بك أخي الكريم، واعلم رعاك الله أن إدارة العلاقة بين الزوجتين أو الزوجات تحتاج إلى أكثر من مجرد الحكم الشرعي، فالنساء خلقن من ضلع أعوج، إذا ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته استمتعت به على عوج، فينبغي المداراة والمحايلة والاسترضاء طالما كان ذلك بلا ظلم أو جور على حق أحد، فضلاً عن أن العدل معنى أشمل من مجرد المساواة، فيكون العدل أحيانًا أن يعطى لواحدة أكثر مما يعطي للأخرى لاعتبارات خارجة عن كونهما زوجتين فقط، مثلا لو كانت الأولى عندها 7 أولاد والأخرى جديدة لا ولد لها، فلا يمكن شراء أو استئجار شقتين بنفس المواصفات، ما يصلح للثانية قد لا يصلح للأولى.

 

اختصارًا: أما بخصوص الحكم الشرعي فالواجب على الزوج هو العدل في النفقة والسكنى، والعدل في السكن يكفي فيه توفير مسكن مستقل لائق بكل زوجة، ولا يشمل ذلك بالضرورة تمليك البيوت التي يقيمون فيها، فإذا اشترى الزوج بيتًا لتسكن فيه الزوجة الثانية مع بقاء ملكية البيت له، فلا حق للزوجة الأولى المطالبة بمبلغ نقدي؛ لأن الزوج هنا يمارس حقه في إدارة ماله وتوفير النفقة الواجبة. أما إذا سجل البيت باسم الزوجة الثانية تمليكًا لها، فهنا تدخل المسألة في باب "العطايا" التي يُندب أو يجب فيها العدل بين الزوجات حسب اختلاف الفقهاء.

 

قواعد العدل بين الزوجات طبقا لآراء الفقهاء:

 

1. العدل في النفقة والكسوة والسكنى: هذا واجب بالإجماع، والمقصود به الكفاية؛ أي أن يوفر لكل واحدة ما يحقق لها السكن الكريم والعيش الملائم لمثلها، ولا يشترط التساوي الحسابي الدقيق في القيمة المالية لكل لقمة أو ثوب، بل مراعاة الحاجة.

 

2. التسوية في العطايا والهبات: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الزوج إذا وهب لإحدى زوجاته هبة خارج حدود النفقة الواجبة، فيستُحب له أن يعطي الأخرى مثلها. وذهب الحنابلة وبعض المالكية إلى وجوب التسوية في العطايا منعًا للضرر والشقاق.

 

3. حق السكنى لا ملكية العين: الحق الشرعي للزوجة هو "المنفعة"، أي السكن في بيت يوفر الخصوصية والأمان، وليس لها حق المطالبة بتملك رقبة البيت أو العقار، إلا إذا فعل الزوج ذلك للأخرى اختيارًا.

 

تفصيل الحكم في المسألة بناء على القواعد:

 

* حالة السكن دون التمليك: بما أن الزوجة الأولى تسكن في بيت يملكه الزوج، والزوجة الثانية تسكن في "إيجار"، فإن شراء الزوج لبيت جديد لتسكن فيه الثانية هو في حقيقته تحويل لنوع النفقة من "أجرة شهرية" إلى "أصل عقاري مملوك للزوج". في هذه الحالة، الزوج لم يعطِ الثانية "ميزة تمليك" بل وفر لها سكنًا دائمًا، تمامًا كما هو الحال مع الأولى. وهنا لا حق للأولى في التعويض النقدي لأنها تسكن بالفعل في بيت يملكه الزوج.

 

* حالة تمليك البيت (نقل الملكية): أما إذا قام الزوج بشراء البيت باسم الزوجة الثانية، فهذه "عطية" زائدة عن السكن الواجب، وهنا يرى الفقهاء أن من العدل والمروءة (وعند البعض من الواجب) أن يعطي الأولى ما يساوي قيمة هذا البيت أو يملكها البيت الذي تسكن فيه، دفعًا للغيرة ومنعًا للظلم.

 

تعامل الرجل مع الزوجتين أو الزوجات لا يتطلب فقط تطبيق "المسطرة والقلم" في الحقوق المادية، بل يتطلب ذكاءً عاطفيًّا وإدارة حكيمة. فالحقوق وإن كانت واضحة، إلا أن "النفوس" تحتاج إلى سياسة خاصة، منها:

 

* الوضوح والشفافية: من الذكاء أن يوضح الرجل لزوجته الأولى أن شراء البيت هو "استثمار مالي" له وتوفير لمصاريف الإيجار المرهقة، وليس "منحة" خاصة للثانية، وأن البيت سيظل من ضمن أملاكه التي سيرثها أبناؤه جميعًا بمن فيهم أبناؤها أيضًا.

 

* تطييب الخواطر: أحيانًا يكون الاعتراض نابعًا من الخوف من "المستقبل" أو الشعور بقلة الشأن. الرجل الفطن هو من يسبق قراراته الكبيرة بـ "مُقبلات" من الإحسان، كهدية رمزية أو تجديد في بيت الأولى، ليرسل رسالة طمأنة بأن مكانتها لم تهتز.

 

* الإدارة بالحق لا بالعناد: إذا كانت الزوجة الأولى تطلب المال لمجرد "المساواة الصورية" دون وجه حق، فالإقناع الهادئ القائم على لغة الأرقام والمصالح الأسرية المشتركة أفضل من المواجهة الصريحة التي قد تؤجج الصراع.

 

العدل ميزان، والحكمة هي اليد التي تمسك بهذا الميزان ليبقى مستقرًا. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

ما الفرق بين المساواة والعدل بينالأفراد؟

تعدد الزوجات.. حكمه وحكمته وضوابطه