لا أدري هل هو بسبب سرعة وسهولة وصول الأخبار، أم أنه فعلا تزايدت أعداد المنتحرين في الآونة الأخيرة تحت ضغوط اقتصادية ونفسية طاحنة، ثم رأينا من بعض المشايخ تصريحا أن من بين أصحاب النبي من أقدم على الانتحار، فما مدى صحة هذه الرواية أولا، ثم ما دلالاتها وما مغزاها ثانيا، وأين تذهب هذه الآراء بالمجتمعات وبعوام الناس الذين لا قدرة لهم على التمييز بين سياق الحادثة وفحواها ودليلها، وما هي نصائحكم بشأن التعامل مه هذه الأخبار والآراء والفتاوى، بارك الله فيكم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً بك أخي الكريم، إن ما نلاحظه من تزايد القلق والمشاعر الضاغطة في ظل الظروف
الاقتصادية والنفسية هو أمر حقيقي تلمسه الكثير من المجتمعات اليوم، بالإضافة إلى
أن انتشار الأخبار وسرعة تدفقها جعلت تسليط الضوء على هذه الحوادث أكثر كثافة، مما
قد يوحي بارتفاعها بشكل غير مسبوق، وإن كان الواقع لا يخلو فعلاً من تزايد الضغوط
التي تدفع الضعفاء والمكروبين أحيانًا لليأس.
أما
بخصوص إثارة قضايا تاريخية معقدة كإقدام بعض المعاصرين للنبي ﷺ على إنهاء حياتهم
وعرضها للجمهور بأسلوب تبسيطي، فهذا مسلك يفتقر إلى الحكمة والمقاصدية الشرعية.
اختصارًا: الانتحار
في الإسلام من كبائر الذنوب والمحرمات القطعية، لكن فاعله لا يُكفَّر عند جمهور
أهل السنة والجماعة، بل هو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. والترويج
لروايات تاريخية فردية مجتزأة من سياقها لإيهام الناس بوجود مسوغ أو تهوين للفعل
هو تضليل خطير يهدد السلم النفسي والمجتمعي، وعدالة مجتمع الصحابة لا تنفي
بشريتهم، فوقوع أحدهم في الزنا ليس مبررًا لمن أراد أن يزني، وقتل واحد لنفسه، لا
يحق أن يُقدَّم كنموذج أو دعوة للانتحار الجماعي.
ولقد
كان مشايخ العصر الذهبي يملكون الحكمة ويراعون مقاصد الشريعة، فعلى الرغم من
انتشار قناعة لدى الكثير من عوام المجتمع المصري بكفر من يقدم على قتل نفسه، فإن
العلماء والدعاة لم يكونوا يتعرضون لهذه المسألة ولا يصححون هذا الخطأ الشائع،
مخافة أن يكون هذا التصحيح مدعاة للتخفف ونشرًا لثقافة الانتحار. ويكتفون بتداول
هذه الآراء في محاضن الدراسة والبحث العلمي.
نعم،
هناك روايتان شهيرتان في هذا الباب:
1. رواية صحيح مسلم: قصة رجل هاجر مع
الصحابي الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه إلى المدينة، فمرض مرضًا شديدًا
(أصابه الجوى والحمى) ولم يتحمل الألم، فقطع مفاصل أصابعه بمشقص (سهم عريض) ونزف
حتى مات.
2. قصة قزمان في غزوة أحد: قاتل قتالاً شديدًا مع المسلمين، ولما أُصيب
بجراح بليغة لم يصبر على ألمها فاتكأ على سيفه وقتل نفسه. وكان النبي ﷺ قد
قال عنه قبل موته: "إن الله ليؤيد
هذا الدين بالرجل الفاجر" و "هو في
النار"؛ لأنه لم يخرج للجهاد احتسابًا بل حمية، ولم
يصبر على البلاء.
دلالات
الحادثة ومغزاها:
*
في قصة صاحب الطفيل: الدلالة الكبرى هي رحمة الله؛ فالرجل
ارتكب كبيرة، ولكن الله غفر له بفضل هجرته إلى النبي ﷺ، ودعا له النبي ﷺ بأن يغفر
ليديه اللتين قطعهما. المغزى هنا ليس إباحة الفعل، بل إثبات أن مرتكب الكبيرة ليس
كافرًا مخلدًا في النار، وأن الموازين عند الله تقوم على الحسنات والسيئات،
والاضطرار والألم الشديد قد يكونان من عوامل تخفيف الوعيد في الآخرة، دون أن يسقط
الإثم في الدنيا.
*
بشرية المجتمع الأول: تدل هذه الحوادث على أن مجتمع الصحابة
والمعاصرين للنبي ﷺ كان مجتمعًا بشريًّا فيه القوي والضعيف، وليس مجتمعًا ملائكيًّا
لا يضعف فيه أحد أمام المرض أو الألم.
أثر
هذه الآراء على المجتمع والعوام:
سوق
هذه الروايات في فضاء مفتوح لعوام الناس دون توعية وفهم منضبط يؤدي لنتائج خطيرة
منها:
*
تطبيع الجريمة: قد يفهم الشخص البسيط الواقع تحت وطأة الديون أو
المرض أن الانتحار خيار متاح وله سوابق عند الصالحين، مما يضعف لديه وازع الصبر.
*
الخلط بين الحكم الأخروي والدنيوي: يظن البعض أن مغفرة الله لصاحب
الطفيل في الآخرة تعني أن الفعل مباح أو هين في الدنيا، وهذا جهل بمقاصد الشريعة
في حفظ النفس.
*
تقديم المسوغات: حيث يؤدي نشر تفاصيل الانتحار أو إيجاد مسوغات
تاريخية له إلى زيادة معدلاته بين الفئات الهشة.
*
إسقاط القدوات: الخلط بين "الأفراد" الذين عاشوا في
عصر النبوة وبين كبار "الصحابة" العدول الأجلاء، قد يُحدث هزة في ثقة
العامة بجيل الصحابة كقدوة.
نصائح
للتعامل مع هذه الأخبار والآراء:
*
التفريق بين الجرم والمجرم: نحن نحرم الفعل أشد التحريم (الانتحار)،
لكننا لا نحكم على الشخص المنتحر بالخلود في النار؛ فرحمة الله وسعت كل شيء، وأمره
مفوض لربه.
*
الحذر من "فقهاء الشهرة" الذين يبحثون عن
الغريب والشاذ من الروايات لإسقاطها على الواقع دون مراعاة المآلات النفسية
والاجتماعية على المستمعين.
*
الدعم النفسي والاجتماعي: بدلاً من البحث عن "مخارج شرعية
متوهمة"، يجب على المجتمع والمصلحين تقديم يد العون المادي والنفسي لمن ضاقت
بهم السبل، وتذكيرهم بفضل الصبر وعظيم أجر البلاء. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
ما هو دور الإعلام في تزايد حالات الانتحار؟
ما التصورات الخاطئة التي تقف خلف الانتحار؟