<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><font face="Simplified Arabic, serif"><span style="font-size: 21.3333px;"><b>هل هناك علاقة بين الإعلام وتزايد حالات الانتحار </b></span></font><b style="font-size: 21.3333px;">وتزايد ما يسمى بمحاكاة الانتحار؟</b></p>
أخي
الكريم، تأثير الإعلام في الإنسان المعاصر كبير جدًّا، فهو قادر على إيجاد ما
يمكن تسميته بـ"العدوى الانتحارية"؛ يتضح ذلك من كثافة الأخبار المنشورة
عن المنتحرين وتصوير عملية تخلصهم من حياتهم في إطار من المظلومية، وأن قرار
الانتحار لم يكن له أي بديل، والنظر للمنتحر بتعاطف إنساني مفرط، وتكثيف الأخبار
حوله، مصحوبًا بالمؤثرات البصرية والموسيقية ليبدو للناس أن المنتحر أنجز عملاً
نبيلاً.
عدوى الانتحار
تشير
الدراسات النفسية إلى أن هناك ما يسمى "عدوى الانتحار"، حيث توجد عوامل
تحفز على السلوك الانتحاري، منها "العدوى" الناتجة عن تقليد سلوك
المنتحرين، من خلال التأثر بشخصية المنتحر، أو التعرض المكثف لأخبار حول الانتحار،
وأن هذه العدوى الانتحارية يكون أكثر الأشخاص تأثرًا بها أولئك الذين تتشابه
ظروفهم ومعاناتهم وبعض من سماتهم الشخصية مع الشخص المنتحر.
أكدت
دراسة علمية بعنوان "عدوى الانتحار"
نشرت سنة 2021م أنه "ثبت أن نشر تفاصيل الانتحار عاملٌ مُحفز في حالات
الانتحار اللاحقة، سواءً كانت مكتملة أو غير مكتملة، وأنه لا يوجد ما يدعو للشك في
هذه العلاقة؛ لأن البشر بطبيعتهم يميلون إلى تقليد بعضهم بعضًا".
وتؤكد الدراسة أن "الانتحار ظاهرة معدية اجتماعيًّا"،
إلا أنها عددت الأشكال التي يمكن النظر إلى العدوى من خلالها؛ فحوالي (56%) من
حالات انتحار المراهقين تحدث في مجموعات، والمجموعة تعبر عن تقارب زمني أو مكاني
أو كليهما، وهي تختلف عن مفهوم "العدوى" الذي يعبر عن آلية
اتصال ينتشر من خلالها المرض، فهناك العدوى بالتقليد، حيث
يقلد البعض سلوك الانتحار وذلك من خلال تأثرهم بالاتصال الشخصي بالمنتحر، أو من
خلال الإعلام.
كذلك يمكن النظر للعدوى كسياق، بمعنى حدوث تغير في
بعض الأفكار في وقت معين يؤدي إلى اختلال في منظومة المعايير والإدراكات، ومن ثم
قد ترتفع في فترة معينة كراهية الحياة فينظر للسلوك الانتحاري كعمل بطولي أو حتى
عمل مشروع أو مبرر.
كذلك ينظر للعدوى كنوع من الانتماء، فقد
ينتمي الشخص إلى مجموعة ما، وهذه المجموعة ذات أفكار انتحارية ويصبح تبني الانتحار
مدخلاً للانتماء، وهذا ظهر في بعض حالات الانتحار الجماعي، ومثال ذلك أكبر عملية
انتحار جماعي في التاريخ الحديث والتي وقعت في العام 1978م راح ضحيتها (913) شخصًا،
نفذها أعضاء "طائفة معبد الشعوب" والتي تزعمها الأمريكي "جيم
جونز" والتي وقعت في جمهورية غيانا في أمريكا الجنوبية.
الإعلام والانتحار
تؤكد الدراسات أن هناك ارتباطًا بين التغطية الإعلامية
للانتحار وزيادة معدلاته، وأطلقوا على تلك الظاهرة مصطلح "التجمع
الجماعي"، وهو يشير إلى انضمام أفراد في مكان واحد، مدفوعين بهدف واحد أو
مصلحة واحدة أو خصائص مشتركة، حيث لوحظ ارتفاع معدلات الانتحار بعد انتشار
التغطيات الاعلامية الواسعة عن بعض الحالات الانتحارية وبخاصة انتحار المشاهير،
وتعتبر تلك التغطية محفزًا على تكرار الانتحار، سواء في فترة زمنية أو منطقة معينة
أو حتى مرحلة عمرية.
ونشير هنا إلى رواية نشرت عام 1774م للكاتب الألماني
"غوته" بعنوان "آلام الشاب فارتر"، فهذه
الرواية التي تحكي قصة شاب انتحر بإطلاق النار على نفسه لفشله في الزواج من سيدة
يحبها، هذه الرواية حققت انتشارًا واسعًا بين الشباب، وشهدت أوروبا بعدها ازديادًا
في حالات الانتحار نتيجة للفشل العاطفي، وكان ذلك بفعل المحاكاة والتقليد والتأثر،
وسبقها روايات أخرى تكلمت عن انتحار أبطال في روايات، وأدى ذلك إلى انتشار ظاهرة
الانتحار.
ولعل هذا التأثير استلهمه عالم النفس "ديفيد
فيليبس" عام 1974، وصك مصطلح "تأثير فارتر" لوصف
ظاهرة تقليد الانتحار الذي يحظى بتغطية واسعة؛ فمثلا أعقب انتحار بعض الممثلات في
الولايات المتحدة ارتفاعًا في حالات الانتحار بنسبة 12%، فانتحار المشاهير يخلق
موجات لتكرار حالات الانتحار وقد يكون بنفس طريقة الانتحار التي استخدمها ذلك
الشخص المشهور، فمثلاً في العام 2008م انتحرت ممثلة كورية شهيرة هي "جين سيل
تشوي" وبعدها تم تسجيل 429 حالة انتحار، وكان للتغطية الإعلامية دور في تزايد
حالات الانتحار.
موضوعات
ذات صلة:
هل يمكن التنبؤ بالانتحار واقتلاع أسبابه؟
ما التصورات الخاطئة التي تقف خلف الانتحار؟
ما هو دور الإعلام في صناعة الفتنة والانقسام؟
هل تؤثر النبوءات الدينية في السياسة الدولية؟