نقل الأعضاء بين التبرع والبيع.. الفقر ليس مبررًا

انتشر في مجتمعنا بسبب الفقر والغلاء الشديد ظاهرة تحت مسمى التبرع بالأعضاء، وفي الحقيقة هي عملية بيع فهل يبيح الشرع لإنسان أن يبيع جزءا منه تحت اضطرار الحاجة والفقر الشديد؟

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

فهذه القضية من النوازل الكبرى التي شغلت المجامع الفقهية وعلماء العصر، وهي تثير صراعًا بين دافع الإنسانية والاضطرار المادي، وبين كرامة الجسد البشري.

 

الفقر الشديد لا يبيح بيع العضو؛ لأن الإنسان ليس محلاً للتعاقد المالي، ولأن الضرر الصحي الناتج عن فقد العضو قد يزيد من معاناة الفقير مستقبلاً بدلاً من حلها، ويحرم الأجر الناتج عن هذه العملية على جميع من شارك فيها، السماسرة تجار الدم، والأطباء، والمستشفيات، وكل مَن شارك فيها طوعًا.

 

وإليك التفصيل الفقهي والشرعي لهذه المسألة:

 

القاعدة الكلية: الجسد ملك لله لا للفرد

 

يتفق الفقهاء قديمًا وحديثًا على أن الإنسان لا يملك جسده ملكية بيع وشراء، بل هو مستخلف فيه. وبناءً عليه، فإن "بيع" الأعضاء البشرية محرم شرعًا باتفاق المجامع الفقهية، حتى في حالات الفقر الشديد.

 

1. موقف المجامع الفقهية

 

أصدرت الهيئات الكبرى قرارات حاسمة في هذا الشأن:

 

مجمع الفقه الإسلامي الدولي (جدة): أكد في قراراته أن "الاعتياض عن الأعضاء بالبيع لا يجوز بحال"، واعتبر أن جسد الإنسان خارج عن دائرة الماليّة، فلا يحل بيعه أو الاتجار به.

 

مجمع البحوث الإسلامية (الأزهر): استقر على أن التبرع بالأعضاء عمل خيري وقربة إلى الله إذا كان بشروط، لكنه حرّم بشكل قاطع تحويلها إلى سلعة تُباع وتُشترى.

 

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (السعودية): ذهبت إلى عدم جواز بيع العضو، معتبرة أن الضرورة تبيح التبرع (للمحتاج) ولكن لا تبيح البيع (للبائع).

 

2. لماذا يُحرم البيع رغم "الاضطرار

 

قد يتساءل البعض: "لماذا لا نعتبرها ضرورة تبيح المحظور؟"، والعلماء أجابوا عن ذلك بعدة أسباب:

 

كرامة الإنسان: الله عز وجل قال: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}. وتحويل الإنسان إلى قطع غيار تباع وتُشترى يمتهن هذه الكرامة ويجعل الفقراء "مخازن" للأغنياء.

 

فتح باب الفساد: إباحة البيع للفقراء ستؤدي إلى نشوء عصابات ومافيات تجارة أعضاء، مما يعرض حياة المستضعفين للخطر.

 

الضرر لا يُزال بالضرر: من القواعد الفقهية أنك لا ترفع ضرر الفقر عن نفسك بإلحاق ضرر جسدي دائم ببدنك (نقص عضو).

 

التفصيل بين "التبرع" و"البيع"

 

فرّق العلماء بين حالتين:

 

التبرع المحض: وهو جائز (بشروط قاسية منها عدم تضرر المتبرع ضررًا يمنعه من الحياة العادية) ويعتبر من باب الإيثار.

 

البيع المبطن: وهو ما ذكرته في سؤالك، حيث يتم الاتفاق على مبلغ مالي مقابل العضو. هذا محرم باطل، والمال المكتسب منه سحت.

 

هل هناك استثناء "للمشتري"؟

 

بحث العلماء حالة المضطر (المريض) الذي لا يجد متبرعًا ويشرف على الموت، فقال بعضهم (مثل الشيخ ابن عثيمين والشيخ القرضاوي رحمهما الله):

 

"إذا اضطر المريض لشراء العضو لإنقاذ حياته ولم يجد متبرعًا، جاز له الدفع للضرورة، ويكون الإثم على البائع (الذي استغل حاجة المريض) أو على الدولة التي لم توفر الرعاية، أما المريض فيكون في حالة ضرورة."

 

الحلول الشرعية والاجتماعية البديلة

 

بدلاً من إباحة البيع، يرى العلماء أن المسؤولية تقع على:

 

الدولة: التي يجب أن تكفل حد الكفاية للفقراء حتى لا يضطروا لبيع أجسادهم.

 

أغنياء المسلمين: عبر الزكاة والصدقات لسد حاجة هؤلاء المضطرين.

 

صناديق التكافل: التي تنظم التبرع بالأعضاء كعمل إنساني مجاني تمامًا. والله تعالى اعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

نقل وزراعة الأعضاء.. حكمها وضوابطها

هل كل التجار في الأعضاء البشرية محاربون؟

نقل أعضاء المتوفى دون الرجوع إلى إذنه أو إذن وليه