حكم من دعاها زوجها للفراش فامتنعت.. فقه الميزان

<p>فضيلة الشيخ نسمع في هذه الأيام بعض الوعّاظ في المساجد يستشهدون بحديث: "إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته ولو كانت على التنور"، ويُفهمون منه وجوب استجابة الزوجة فورًا في كل حال، بل ويُحرِّض بعضهم الأزواج على زوجاتهم، ويوجّههم إلى تهديدهن بالزواج عليهن إن لم يستجبن. وهذا الطرح يسبب توترًا شديدًا داخل البيوت، ويؤدي إلى إساءة استخدام النصوص الشرعية، ويُشعر بعض الزوجات بالظلم والإكراه.</p><p> لذلك نرجو منكم التوضيح:</p><p> ما مدى صحة هذا الحديث، وما درجته عند أهل العلم؟</p><p> هل يُفهم منه الإلزام المطلق في كل حال، أم أن له ضوابط وسياقًا؟</p><p> كيف نوفّق بينه وبين أحاديث أخرى تأمر بالملاطفة وحسن المعاشرة، مثل الدعوة إلى التهيئة والمودة وعدم الإضرار بالزوجة؟</p><p> ما حكم استخدام هذا الحديث للضغط على الزوجة أو تهديدها بالزواج عليها؟</p><p> ما هو المنهج الصحيح في التعامل مع نصوص السنة حتى لا تُفهم بغير علم أو تُستخدم في غير موضعها؟ جزاكم الله خيرًا، ونفع بعلمكم.</p>

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فخلاصة الأمر: أن حديث "التنور" يتحدث عن "حق الزوج" في العفة، بينما أحاديث "المعاشرة بالمعروف" تتحدث عن "واجب الزوج" في الرحمة والتقدير.

 

الحقوق والواجبات تسير جنبًا إلى جنب، ولا ريب أن لكل من الزوج والزوجة حقوقًا وطاقة، والعلاقة بينهما لا تقوم على الحدود الفاصلة بين حقي وحقك، ولا بين واجبي ليس إلا ولا مزيد، بل على المودة والرحمة، والتغافل والنسيان، وتقبل النقص البشري الذي هو سمة كل مخلوق، والرفق الذي ما وضع في شيء إلا زانه، وذاك هو فقه الميزان الذي قامت عليه السماوات والأرض، وصلح به أمر الدنيا والآخرة.

 

وهذه القضية كشأن كثير من قضايا الدين والحياة، الفضيلة فيها وسط بين رذيلتين، ومن تمسك بحق طرف من الطرفين وأهمل الطرف الآخر فقد جنى على نفسه، وعلى شريك حياته، بل وعلى ميزان الشريعة نفسه، فعلى سبيل المثال -والأمثلة لا تنحصر- لا تتعمد الزوجة الصيام المتصل بالأسبوعين والثلاثة وتترك زوجها نهبة للفتن وما أكثرها، وأيضًا الزوج لا يحق له أن يأتيها بسيف الشريعة مسلطًا يقول حقي عليك في المنشط والمكره والصحة والمرض وعلى رغم أنفك.

 

وما طرحتَه يعكس ضرورة الوعي العميق بضرورة فهم النصوص الشرعية في سياقها الصحيح، بعيدًا عن "الانتقائية" التي قد تُحول الدين من رحمة إلى أداة للتسلط، وإن إساءة استخدام الأحاديث النبوية لتبرير الإكراه أو التهديد لا يفسد البيوت فحسب، بل يشوه صورة الإسلام السمحة.

 

وإليكم البيان:

 

- صحة الحديث ودرجته

 

الحديث الذي ذكرتَه: "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ"، هو حديث صحيح، أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان. و"التنور" هنا كناية عن شدة الانشغال (حيث كان الخبز قديمًا يتطلب جهدًا وتركيزًا عاليًا)، والمقصود من الحديث هو الحث على اهتمام الزوجة برغبة زوجها وعدم التسويف دون عذر.

 

- هل الإلزام هنا "مطلق"؟ (الضوابط والسياق)

 

فهم الحديث على أنه أمر بالإكراه تحت أي ظرف هو فهم قاصر؛ فالقواعد الأصولية تقيد هذا الإطلاق بضوابط شرعية وعقلية، منها:

 

- انتفاء الضرر: القاعدة الفقهية الكبرى تقول "لا ضرر ولا ضرار". فإذا كانت الزوجة مريضة، أو في حالة نفسية صعبة، أو مجهدة جسديًّا بشكل يعجزها، فلا يجب عليها الاستجابة حينها، بل يحرم على الزوج إكراهها.

 

- المعروف: أمر الله بالمعاشرة بـ "المعروف" (وعاشروهن بالمعروف)، والمعروف هو ما تعارف عليه الناس من اللطف والتقدير، وليس من المعروف استدعاء الزوجة وهي في حالة إنهاك تام.

 

- التوفيق بين الأحاديث

 

السنة النبوية وحدة واحدة لا تتجزأ. لا يجوز أخذ حديث "التنور" وترك الأحاديث التي تأمر بالرفق، مثل: قوله ﷺ: "خيركم خيركم لأهله". وصيته في حجة الوداع: "استوصوا بالنساء خيرًا". وتوجيهه ﷺ بالتهيئة والملاطفة: حيث كره النبي ﷺ أن يقع الرجل على أهله "كما تقع البهيمة"، بل دعا ليكون بينهما "رسول" (كلام وقبلات).

 

- حكم التهديد بالزواج أو الضغط النفسي

 

استخدام النصوص الشرعية كـ "سوط" للتهديد بالزواج الثاني أو الترهيب باللعنة هو مسلك تربوي خاطئ ومنفر.

 

ـ الزواج مودة ورحمة، والتهديد يقتل المودة ويحول العلاقة إلى "واجب وظيفي" بارد.

 

ـ الوعيد في الأحاديث (كلعن الملائكة للزوجة) مقيد بـ "الامتناع بغير عذر" و"قصد الإضرار بالزوج". أما إذا كان الامتناع لسبب طبيعي أو تعب، فلا يدخل في الوعيد أصلاً.

 

* المنهج الصحيح في التعامل مع السنة

 

لضمان عدم انحراف الفهم، يجب اتباع الآتي:

 

1. الجمع بين النصوص: لا تضرب الأحاديث بعضها ببعض، بل يُفهم الخاص في ضوء العام، والمقيد في ضوء المطلق.

 

2. مراعاة المقاصد: المقصد من العلاقة الزوجية هو السكن (لتسكنوا إليها)، وأي فهم لحديث يؤدي لخراب هذا السكن هو فهم يحتاج لمراجعة.

 

3. التفريق بين "الحكم" و"الأدب": الحديث قد يعطي حكمًا فقهيًّا، لكن القرآن والسنة يعطياننا "أدب التعامل" الذي يسبق الحكم ويهيئ له.

 

والوعاظ الذين يركزون على طرف واحد من العلاقة (حقوق الزوج فقط) يساهمون في خلق فجوة بين الشباب والدين. الدين جاء ليرتقي بالإنسان، لا لِيُحوّل البيوت إلى ثكنات عسكرية.

 

لكن الموضوع يتطلب توازنًا دقيقًا؛ فكما أننا نرفض الإكراه والتعسف من طرف الزوج، نؤكد أيضًا على أمانة الزوجة في رعاية حق زوجها وعفته؛ لأن استقرار البيت قائم على "تلبية احتياجات الطرفين" بصدق ومودة.

 

فالحياة الزوجية ليست مجرد شراكة في السكن والطعام، بل هي "ميثاق غليظ" جعل الله فيه لكل طرف حقًّا على الآخر. ومن أعظم هذه الحقوق وأجلّها إعفاف الزوج وصيانته. وللزوجة أيضًا نقول:

 

1. الأمانة والمسؤولية: إن رغبة زوجكِ فيكِ ليست مجرد "غريزة"، بل هي باب من أبواب حمايته من الفتن خارج البيت. فإذا أغلقتِ هذا الباب بالأعذار الواهية والتعلل بغير سبب حقيقي، فقد عرضتِ قلبه للشتات، وبيتكِ لزعزعة الاستقرار.

 

2. خطر "التسويف" والامتناع: لقد حذر النبي ﷺ من أن تمتنع المرأة عن زوجها "وهي تجد طاقة" أو بغير عذر شرعي (كحيض أو مرض معجز)؛ لأن ذلك يورث جفاءً في القلب، وقد يفتح بابًا للغضب أو الندم الذي يصعب تداركه. تذكري قوله ﷺ: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح" (متفق عليه). وهذا الوعيد مخصص لمن تتعمد المنع إضرارًا بالزوج أو تهاونًا بحقه.

 

3. الصدق مع النفس: كوني صريحة مع ربكِ ومع نفسكِ؛ هل العذر الذي تتقدمين به (تعب يسير، انشغال بهاتف، رغبة في النوم دون حاجة ماسة) يقف حقًّا عائقًا أمام إدخال السرور على زوجكِ؟ إن "المجاهدة" في سبيل إرضاء الزوج وإعفافه هي من أعظم القربات التي تدخل المرأة بها الجنة.

 

4. البيت سكن: تذكري أن استجابتكِ برضا وطيب خاطر تزرع في قلب زوجكِ تقديرًا ومحبة، تجعلينه بها أكثر رفقًا بكِ وأكثر رغبة في خدمتكِ وتلبية طلباتكِ. المعاملة "بالندّية" أو "المساومة" تذهب بركة البيت.

 

فالزوج الصالح يستحق منكِ التقدير، فكوني له "سكنًا" يكن لكِ "حضنًا"، واحتسبي كل جهد تبذلينه في سبيل عفته عند الله، فما أكرمت زوجة زوجها إلا أكرمها الله في الدنيا والآخرة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

أرفض العلاقة معه.. فهل تلعنني الملائكة؟